بقلم: د. حقار مالا حقار- رئيس القسم العربي بجامعة هيك تشاد
تشهد منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة خلافات متزايدة بين النخب المثقفة، تتحول فيها النقاشات من تبادل الأفكار إلى معارك كلامية، ومن حوار هادف إلى قطيعة وتبادل للاتهامات. وقد بات هذا المشهد يهدد أهم ما يمكن أن يثري حياتنا الفكرية: قدرة العقول المختلفة على التعايش والحوار. من هنا تأتي الحاجة إلى وقفة تأمل في “أدب الاختلاف” بوصفه ضرورة فكرية وأخلاقية، لا مجرد فضيلة تجميلية.
أولًا: الاختلاف سنة الحياة
ليس الاختلاف بين الناس عيبًا، ولا دليلًا على فساد الرأي أو نقص العقل، بل هو سنة من سنن الحياة، وضرورة من ضرورات التفكير الإنساني. فالناس لم يُخلقوا بعقول متطابقة، ولا بتجارب واحدة، ولا بظروف متشابهة؛ ولذلك كان طبيعيًا أن تتعدد آراؤهم، وتختلف رؤاهم، وتتباين مواقفهم.
فقد نختلف ونبقى إخوة، وقد نختلف فنصبح خصومًا. وقد يكون اختلافنا بابًا إلى المعرفة، وقد يتحول إلى باب للكراهية والقطيعة.
ثانيًا: ما هو أدب الاختلاف؟
بين الحالتين يقف شيء اسمه “أدب الاختلاف”، وهو أن تدرك أن امتلاكك لرأي لا يعني امتلاكك للحقيقة كاملة، وأن مخالفتك لشخص ما لا تمنحك الحق في إهانته أو الانتقاص منه. هو أن تستطيع أن تقول: «أختلف معك»، دون أن تقول: «أنا سأخبرك من تكون». وأن تناقش الفكرة دون أن تهدم صاحبها، مستصغرًا حاضره، وحاكمًا على مستقبله.
فالإنسان الراقي لا يحتاج إلى تحقير خصمه حتى يثبت صحة موقفه، ولا إلى رفع صوته حتى يبدو أكثر إقناعًا. إذ إن قوة الحجة لا تحتاج إلى قسوة، والحقيقة لا تصبح أكثر حقيقةً بالصراخ والشتم وتتبع عورات الناس.
ثالثًا: من الجدال إلى الحوار
من أجمل صور أدب الاختلاف أن نتعلم الإنصات قبل الرد. كثير من الناس لا يستمعون إلى الآخرين لكي يفهموا، وإنما يستمعون لكي يجدوا ثغرة يلجون منها لا إلى الحقيقة، بل إلى ما يريدون قوله. وهذا فرق كبير بين الحوار والجدال.
الحوار الحقيقي يبدأ عندما أحاول أن أفهمك كما تريد أنت أن أُفهمك، لا كما أريد أنا أن أفسرك. وقد يكون من أعظم مظاهر النضج الفكري أن تقول: «ربما أكون مخطئًا».
رابعًا: وسائل التواصل.. حين يتحول الاختلاف إلى معركة
من المؤسف أن بعض المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت الاختلاف معركةً، وجعلت الرأي المختلف خصمًا يجب القضاء عليه. فإذا اختلف شخص معك في السياسة، أو الدين، أو الاقتصاد، أو المجتمع، سرعان ما يتحول الحوار من مناقشة الفكرة إلى مهاجمة الشخص. وهنا نفقد أجمل ما في الاختلاف: فرصة أن نتعلم من بعضنا.
إن أجمل ما في الإنسان أن يكون قويًا في موقفه، لينًا في أسلوبه؛ ثابتًا في مبادئه، متواضعًا في حكمه على الآخرين. فليست البطولة أن تُسكت من يخالفك، وإنما البطولة أن تجعله يستمع إليك دون أن يشعر أنك تهينه. وليست الحكمة أن تنتصر في كل نقاش، وإنما الحكمة أن تعرف أي نقاش يستحق أن تدخل فيه، ومتى يكون الصمت أكثر حكمة من الكلام.
ختاماً: قد نختلف في الرأي، وقد تتباين مواقفنا، وقد تسلك بنا الحياة طرقًا مختلفة، لكن ذلك كله لا يمنع أن نحافظ على مساحة من الاحترام الإنساني. وقد نختلف في الأفكار، لكننا لسنا مضطرين إلى أن نختلف في الأخلاق. وإذا كان الاتفاق يجمع العقول، فإن أدب الاختلاف يجمع القلوب.
وإلى أساتذتي المختلفين من أبناء بلدي على وسائل التواصل: استهدوا بالله، واستعيذوا من شياطين الإنس والجن، ولنسخر علمنا وجهدنا وفكرنا في خدمة وطننا والأجيال التي تنتظر منا. ولنعلم أننا تجمعنا روابط الدين والبلد ورباط الإنسانية. عفا الله عما سلف، ووفقنا لما يحب ويرضى من القول والعمل. ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾.