الخرطوم- رفيق إنفو
كانت أزقة حي الفيصل بالقاهرة تضج بالحياة، لكن زاوية صغيرة بالقرب من المسجد كانت تحمل دفئاً من نوع خاص. هناك، اعتاد المصلون والأهالي رؤية العم حسن، الرجل السوداني الخمسيني، بوجهه البشوش وثيابه البسيطة، وهو يرتب حبات الخضار الورقية والطماطم على بسطته المتواضعة. كان يبيع القوت اليومي بابتسامة راضية وكبرياء لم تكسره الغربة أو مرارة اللجوء.
لم يكن أحد من زبائنه يعرف أن هذه اليد التي تزن الخضار بدقة، هي نفس اليد التي خطت لسنوات معادلات الفيزياء المعقدة على سبورات جامعة الخرطوم. فالعم حسن في وطنه هو البروفيسور حسن عبد الحليم عبدالله سيد أحمد، عالم الفيزياء البارز الذي شغل منصب عميد كلية التربية، قبل أن تجبره ظروف الحرب القاسية على مغادرة كل ما بناه، والبدء من الصفر بائعاً في شوارع الغربة لكسب قوته بكرامة.
وفي ليلة هادئة، وبينما كان يتصفح هاتفه المحمول، لمح منشوراً يعلن عن وظيفة أستاذ كيمياء وفيزياء في إحدى الجامعات الألمانية الشهيرة. تحركت في داخله روح العالم التي لم تنطفئ؛ أرسل سيرته الذاتية الحافلة بالشهادات والأبحاث وسنوات الخبرة الأكاديمية الطويلة، ودخل المنافسة صامتاً بين مئات العلماء والمتقدمين من مختلف دول العالم.
ولم يمضِ وقت طويل، حتى رنّ هاتفه برقم غير مألوف. كان المتصل الملحقية الثقافية بالسفارة الألمانية بالقاهرة. زفّ إليه الموظف خلف الخط خبراً حبس أنفاسه: “لقد تم اختيارك بروفيسور حسن من بين الجميع، ننتظرك في السفارة لإتمام إجراءات السفر“.
توجه البروفيسور حسن عبد الحليم إلى مقر السفارة، وهناك لم يجد أبواباً مغلقة، بل وجد حفاوة بالغة واستقبالاً يليق بعالم. استلموا جواز سفره، وقدموا له تذاكر الطيران، وودعوه باحترام جمّ، بانتظار أن يبدأ رحلته الجديدة لتدريس الطلاب في أوروبا وتكملة مسيرته العلمية.
في اليوم الأخير له في حي الفيصل، تجمع مصلو المسجد والأهالي لوداعه. لم تكن دموعهم فقط حزناً على فراق البائع الطيب الذي أحبوه، بل كانت دموع فخر وذهول وهم يكتشفون أن بائع الخضار البسيط الذي جاورهم لنحو ثلاث سنوات، هو قامة علمية رفيعة وعميد كلية التربية السابق الذي كان يعيش بينهم في ثوب من التواضع الشديد. غادر البروفيسور حسن إلى ألمانيا، تاركاً خلفه درساً إنسانياً بليغاً: أن الحرب قد تسلب الإنسان بيته وماله، لكنها لا يمكن أن تسلب منه علمه، كرامته، وعزيمته.