واشنطن – رفيق إنفو
كشف تقرير الاستخبارات حول التهديدات، الصادر عن شركة “أنثروبيك” في 10 سبتمبر 2026 بعنوان “كشف إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي ومكافحتها”، عن سلسلة عمليات ضارة تم رصدها بين ديسمبر 2025. شملت سبعة مجالات للضرر: العمليات السيبرانية، وعمليات التأثير، والمراقبة، والأسلحة التقليدية، والاستخدام البيولوجي، والاحتيال، والتقطير غير المشروع للنماذج.
ويُظهر التقرير أن الاستخدام المضر للذكاء الاصطناعي ظاهرة عالمية موزعة على القارات، مع تركيز لافت في آسيا، حيث تصدرت الصين قائمة الحالات بسبع حالات على الأقل شملت التجسس، والمراقبة الدينية، ومراقبة الرأي العام، وتطوير أسلحة تقليدية وموجهة. وتلتها إيران بحالات تجسس وتأثير وبرمجيات خبيثة، ثم روسيا بعمليات تجسس استهدفت أوكرانيا ومولدوفا وأوروبا، إضافة إلى تطوير أسلحة تقليدية. كما وردت حالات في ماليزيا وبنغلاديش واليمن، وجاءت الولايات المتحدة كهدف لعمليات تجسس إيرانية.
فيما يلي حالات توظيف لنماذج الذكاء الاصطناعي في أنشطة ضارة استهدفت أو انطلقت من دول أفريقية.
منصة مراقبة جماعية في مالي
أبرز الحالات الأفريقية في التقرير الذي اطلع عليه فريق تحرير “رفيق إنفو” تتعلق بمالي، حيث استخدم مستشار تقني منفرد نموذج “كلود” (Claude) لبناء منصة مراقبة وطنية لصالح وكالة الأمن الوطني للدولة، أُطلق عليها اسم “لاكانا 360” (Lakana 360)، صُممت لمراقبة نحو 25 مليون شريحة اتصال عبر مشغلي الهواتف الثلاثة في البلاد.
ووفق التقرير، جمعت المنصة سجلات المكالمات والرسائل النصية والمكالمات الصوتية، وتضمنت قدرات للتعرف على المستخدمين عبر الصوت، ورصد استخدام التشفير وشبكات VPN، وتحليل الاجتماعات السرية، ومطابقة الأفراد مع السجل المدني البيومتري وقواعد بيانات الدولة الأخرى. كما صُمم نظام لتجاوز الشرط القانوني الذي يفرض أمراً قضائياً للاطلاع على سجلات المراقبة، عبر إزالة هذا الشرط من المكون الذي يُنتج تقارير استخباراتية بالذكاء الاصطناعي.
وأشار التقرير إلى أن المنصة تعمل محلياً بالكامل بنماذج محلية، وأن حظر حساب المستخدم لم يؤثر على المنتج المنشور. ولفت إلى أن الخارجية الأمريكية ومنظمة “هيومن رايتس ووتش” وثقتا اعتقالات واختطافات نفذتها أجهزة الأمن المالية بحق معارضين وصحفيين وناشطين.
عملية تضليل روسية في أفريقيا الوسطى
وفي حالة منفصلة، وثق التقرير عملية تضليل إعلامي روسية في جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث أدار شخص ناطق بالروسية في بانغي عملية إنتاج محتوى يومي عبر محطة “راديو لينغو سونغو” (98.9 FM)، بالتنسيق مع وسائل إعلام روسية رسمية مثل RT وسبوتنيك أفريقيا وTASS، ومع البيت الروسي في بانغي.
ووجّه المشغل نموذج “كلود” لتضمين رسائل مؤيدة لروسيا ومعادية لفرنسا، مع إزالة أي أثر للتنسيق الآلي حتى لا تبدو الأخبار “مُصنّعة”. وصنّف التقرير غالبية النشاط بأنه مؤيد لحكومة أفريقيا الوسطى ولـ”فاغنر” ومعادٍ لفرنسا والمعارضة.
ووفق التقرير، أنشأت “فاغنر” المحطة ومولتها عام 2017، وصمم المشغلون خط إنتاج لنشر محتوى مُلفّق عبر المحطة ثم عبر البث الوطني، جزئياً عبر مقايضة وقت البث بمساحات في برنامج “سبوتنيك برو” التدريبي للصحفيين الأجانب.
وربط التقرير المشغل بوحدة “بوليتولوجي”، الذراع الإعلامية لمجموعة “الفيلق الروسي/فاغنر”، معتبراً أنه كان يعمل منسقاً إعلامياً محلياً لها. واستُخدم “كلود” لأتمتة الموارد البشرية والإدارة الداخلية، بما في ذلك صياغة عقود تُلزم بالولاء لرئيس أفريقيا الوسطى وروسيا، وأوصاف وظيفية، ومعايير تقييم، ونظام فصل من ثلاث مراحل. كما نظّم المشغل عملية مراقبة دورية للمعارضين السياسيين، وصاغ نقاطاً إعلامية للمتحدثين في البيت الروسي، وأنتج وثائق حكومية وسط أفريقية مزورة.
ورفض “كلود” الطلب الأكثر خطورة، الذي تضمن تسمية أفراد حقيقيين كـ”مسلحين” لاستهدافهم أمنياً، فتحول المشغل إلى صيغة “مصادر مجهولة”. وصُنفت العملية في الفئة الرابعة على مقياس الانتشار، أي بثاً يومياً عبر الإذاعة وتضخيماً عبر قنوات تيليغرام ووسائل إعلام محلية.
حملة تضليل كينية قبيل انتخابات 2027
وظهرت كينيا في حالتين. الأولى حملة تضليل منسقة نفذها فرد واحد باستخدام “كلود” لإنتاج محتوى سياسي كيني يبدو “عفوياً”. وأصدر المشغل دفعات من خمسين تغريدة بالضبط، معظمها تمتدح وزير الطاقة أوبيو واندائي لإيقافه زيادة تعرفة الكهرباء، وتستخدم وسمي #PowerReliefKE و#PoweringTheNewKenya. كما روجت الحملة لانقسام المعارضة المتحدة قبل انتخابات 2027، مستهدفة ريغاثي غاتشاغوا والرئيس السابق أوهورو كينياتا.
ولم يجد التقرير دليلاً على تورط حكومي، واعتبر النشاط “محلياً بالكامل”، مع احتمال توافقه مع التحالف الحاكم دون تحديد الجهة المسؤولة. وصُنفت الحملة في الفئة الأولى، أي لم تتجاوز شبكة الحسابات الوهمية. وأشار التقرير إلى أن “أنثروبيك” تحركت بناءً على بلاغ من “أوبن إيه آي” عن نشاط متكرر. وتضمنت الإشارة الثانية في كينيا إعداد مشغل موالٍ للحكومة منشورات “عشبية” مزيفة قبيل انتخابات 2027.
عملية نفوذ إماراتية في السودان
ووصف التقرير عملية نفوذ بقيادة الإمارات استهدفت جماعة الإخوان المسلمين والنزاع السوداني وآليات المساءلة الأممية. واستخدم المشغل “كلود” للحفاظ على شخصية ذكاء اصطناعي باسم “ديدشوت” (Deadshot)، مستضافة على منصته الخاصة، مع ملف توجيهي رئيسي يأمر بتكرار “مهمة عملية منسقة عبر الأطلسي وإقليمياً لتفكيك جماعة الإخوان عالمياً” عبر مئات الجلسات.
وبنى المشغل شبكة من نحو ثلاثمائة حساب مؤثر وهمي على منصات التواصل الاجتماعي، وأنشأ منظمة واجهة انتحلت هوية منظمة سويسرية حقيقية، ونشر تحت اسمها تقارير حقوقية صادرة عن دولة. وصاغ شهادات رسمية كاملة موجهة للدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان، كان الهدف تقديمها من قبل شخصين، مع تصميم المحتوى بقيود صارمة تمنع ذكر الإمارات في أي من الخطابين.
كما أعدّ ملفات تعريفية تفصيلية عن 18 عضواً في البرلمان الأوروبي وصحفيين بارزين، وملفات مضادة عن مقررين أمميين انتقدوا دور الإمارات في السودان. وربط التقرير العملية بمسؤولين حكوميين إماراتيين “بدرجة عالية من الثقة”، مشيراً إلى أن الملف التوجيهي سمى مسؤولين إماراتيين كبار كجهات مستهدفة بالعمل، وأن المشغل موّل شبكة التواصل الاجتماعي التي ضخمت المحتوى.
وأشار التقرير إلى حملة منسقة على منصة تويتر X في 4 يونيو 2026 تحت وسم #SudanIslamists، نشرت تصاميم شبه متطابقة تربط الإخوان المسلمين السودانيين بعدم الاستقرار الإقليمي. ووصف شبكة التضخيم بأنها “ممولة ومركزة”، ونقل عن تقارير داخلية وصفها لـ”استقلاليتها” بأنها “أعظم أصل استراتيجي” لها، في اعتراف ضمني بأنها كانت تحاول إخفاء طبيعتها الموجهة من دولة.
وأشار التقرير إلى أنه لا يستطيع تأكيد ما إذا كانت أي من الشهادات أو الملفات المستهدفة قد وصلت فعلاً إلى جمهورها المقصود، مقدراً أن النشاط في الفئة الثالثة على مقياس Breakout، مع الإشارة إلى أن فئة أعلى تتطلب دليلاً على اهتمام عام واسع أو تأثير على السياسات، وهو ما لم يتمكن من تأكيده.
تضليل تجاري عابر للقارات في الكونغو الديمقراطية
وظهرت الكونغو الديمقراطية في عملية “تضليل كخدمة” تجارية امتدت عبر ست قارات. واستخدم المشغل “كلود” لإنتاج وإعادة صياغة محتوى سياسي عبر نحو سبعين موقعاً إخبارياً مزيفاً، تدعمها حسابات على X وأكثر من 250 حساباً وهمياً للتعليق. واستهدفت العملية جماهير في الولايات المتحدة والبرازيل وفرنسا والكونغو الديمقراطية.
ولم يجد التقرير أجندة سياسية واحدة، لكن المؤشرات أشارت إلى احتمالية تلبية العملية لمصالح عملاء لهم stake في نزاع الكونغو ورواندا. وركز الإنتاج بكثافة على الكونغو، بـ318 مقالاً في المواقع المزيفة، معظمها يدعم موقف حكومة الكونغو في اتفاقات المعادن والتوترات مع رواندا. ولم يجد التقرير دليلاً على توجيه حكومي.
اختراق سلطة تكنولوجيا حكومية
وأشار التقرير إلى سلطة تكنولوجيا حكومية في شمال أفريقيا استهدفها مشغل تجسس روسي يُعرف بـGTG-20006، مرتبط بـ”ميدنايت بليزارد”. وسرق المشغل بيانات اعتماد لجهاز VPN واستخدمها للسيطرة على خادم الحسابات المركزي، وسرّب أكثر من 300 ألف سجل هوية وطنية وبيانات السجل التجاري لأكثر من نصف مليون شركة. ولم يسمِّ التقرير الدولة.
وخلص التقرير إلى أن هذه الأنشطة تنتهك سياسات الاستخدام الخاصة بـ”أنثروبيك” والقوانين الوطنية والدولية المتعلقة بحماية البيانات وحقوق الإنسان، وتشكل تهديداً للأمن والخصوصية وحقوق الشعوب المعنية.