الدوحة – رفيق إنفو
توفي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر السابق، صباح الأحد، عن عمر ناهز 74 عاماً، بعد مسيرة سياسية امتدت لعقود قاد خلالها قطر في مرحلة تحولات اقتصادية وتنموية وسياسية رسخت مكانتها إقليمياً ودولياً.
محطات في المسيرة والقيادة
بدأ الشيخ حمد مسيرته القيادية والسياسية في وقت مبكر من تاريخ دولة قطر الحديث، حيث جرى تعيينه ولياً للعهد ووزيراً للدفاع في الحادي والثلاثين من مايو عام 1977، وهي المرحلة التي أشرف خلالها على تطوير وتحديث القوات المسلحة القطرية ورفع كفاءتها القتالية، واستمر في قيادة الملفات التنموية والأمنية الكبرى بالبلاد حتى تولى مقاليد الحكم رسمياً في السابع والعشرين من يونيو عام 1995، ليدشن مرحلة تاريخية استثنائية استمرت قرابة ثمانية عشر عاماً صاغ خلالها جغرافيا سياسية واقتصادية جديدة لقطر، ووضع أسس نهضتها التنموية الحديثة . وظل الشيخ حمد في منصبه أميراً للبلاد حتى الخامس والعشرين من يونيو عام 2013، حينما فاجأ الأوساط السياسية العربية والدولية بتقديم نموذج ديمقراطي وقيادي فريد وغير مسبوق في المنطقة، متمثلاً في تسليم مقاليد الحكم طواعية لنجله ولي عهده آنذاك الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ليدخل الراحل فصلاً جديداً من العطاء حاملاً منذ ذلك الحين لقب “الأمير الوالد” واقترن اسمه شعبياً بلقب “دفّان الفقر” تقديراً لجهوده في رفع مستوى معيشة المواطن وبناء الرخاء الاقتصادي، ومظللاً بتقدير شعبي واسع كرسه كأحد أبرز الرموز السياسية التاريخية في العالم العربي
الاقتصاد والغاز
شهد عهد الشيخ حمد تحولاً جذرياً ونقلة تاريخية غير مسبوقة في بنيوية الاقتصاد القطري، حيث تبنى رؤية استشرافية طموحة ركزت على الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية من خلال المراهنة على تطوير “حقل الشمال”، وهو أكبر حقل للغاز الطبيعي غير المصاحب في العالم، وعلى الرغم من التحديات التقنية والمالية الهائلة في تسعينيات القرن الماضي، نجحت قطر تحت قيادته في بناء بني تحتية عملاقة للغاز المسال وأساطيل نقل بحرية متطورة، مما قفز بالدولة لتصبح أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم ومحركاً رئيسياً لأمن الطاقة العالمي، وترافق هذا الصعود مع إطلاق استراتيجية حكيمة لتنويع مصادر الدخل وتأمين مستقبل الأجيال القادمة، تجسدت بشكل عملي في تأسيس “جهاز قطر للاستثمار” كصندوق سيادي للدولة في عام 2005، حيث تولى الصندوق إدارة وتوظيف الفوائض المالية الضخمة الناتجة عن قطاع الطاقة، وبناء محفظة استثمارية عالمية شديدة التنوع والانتشار شملت الاستحواذ على حصص استراتيجية وأصول عقارية تاريخية وبنوك كبرى وشبكات بنية تحتية في كبريات العواصم العالمية، مما جعل الاقتصاد القطري واحداً من أقوى الاقتصاديات وأسرعها نمواً على مستوى العالم.
موقف تاريخي ودعم لا ينقطع لقطاع غزة
شكل ملف دعم قطاع غزة والقضية الفلسطينية ركيزة أساسية في العقيدة السياسية للأمير الوالد، حيث دخل التاريخ كأول زعيم عربي ودولي يكسر الحصار المفروض على قطاع غزة بزيارته التاريخية للقطاع في أكتوبر 2012 والتي فتحت الباب لكسر العزلة السياسية وتخفيف المعاناة الإنسانية، وأطلق خلال تلك الزيارة المنحة القطرية لإعادة إعمار غزة بقيمة تجاوزت 400 مليون دولار شملت إنشاء مشاريع حيوية كبرى مثل مدينة الشيخ حمد السكنية ومستشفى السمو للأطراف الصناعية والتأهيل وتطوير شبكات البنية التحتية، فضلاً عن تبنيه مواقف صارمة في المحافل الدولية للدفاع عن الحقوق الفلسطينية مكرساً جهود الدبلوماسية القطرية لتقديم الدعم الإغاثي والمالي المستدام.
الدبلوماسية الوقائية وصناعة السلام في القارة الأفريقية
وتميزت سياسته الخارجية بالانفتاح والتوازن، فكانت لقطر تحت قيادته بصمة واضحة في دعم الاستقرار والتنمية في أفريقيا وتشاد عبر رؤية ارتكزت على الدبلوماسية الوقائية والشراكات الاقتصادية القوية. وفي النطاق الأفريقي، نجحت جهوده في رعاية “وثيقة الدوحة لسلام دارفور” عام 2011 لإنهاء النزاع في السودان، وقاد وساطات تاريخية لحل الخلاف السوداني الإريتري وتأمين حدودهما، فضلاً عن تهدئة الأوضاع بين الصومال وجيبوتي وإريتريا. وعزز الانفتاح الاقتصادي بزيارته لجنوب أفريقيا عام 2002 لدعمها بعد عهد الفصل العنصري، ووجه الاستثمارات القطرية نحو البنى التحتية والطاقة والزراعة في كينيا وموريتانيا ودول المغرب العربي، بالتوازي مع تسيير جسور إغاثية وإطلاق مبادرات لتعليم الشباب بمناطق النزاع.
العلاقات مع تشاد
قاد الأمير الراحل وساطة حاسمة عام 2009 أثمرت عن توقيع “اتفاق الدوحة” الذي نجح في تطبيع العلاقات التشادية السودانية، ووقف العنف الحدودي، والامتناع عن دعم الحركات المسلحة، وعزز هذا الاستقرار بتوقيع ثلاث اتفاقيات استراتيجية مع تشاد عام 2011 شملت التعاون الاقتصادي والفني وحماية الاستثمارات المتبادلة لتمويل مشاريع البنية التحتية. وقد شكلت هذه السياسات الأرضية الدبلوماسية الصلبة التي مكنت دولة قطر لاحقاً من مواصلة دورها كوسيط نزيه ورعاية “اتفاقية الدوحة للسلام في تشاد” عام 2022 بين الأطراف التشادية والحركات المسلحة.