السبت
-
23 مايو، 2026
https://rafiqinfos.net

داكار.. ما نعرفه عن انهيار الشراكة التاريخية بين فاي وسونكو

داكار / رفيق إنفو – في ليلة الجمعة 22 مايو 2026، هز مرسوم رئاسي هادئ قرأه الأمين العام للرئاسة عمر سامبا با على التلفزيون الرسمي أركان السلطة السنغالية، حيث أنهى الرئيس باسيرو ديوماي فاي مهام رئيس الوزراء عثمان سونكو وحل الحكومة بأكملها. لم يُذكر سبب رسمي، لكن الجميع في داكار يعرف أن «الزواج السياسي» الذي أوصل حزب باستيف (PASTEF) إلى السلطة في 2024 قد انهار نهائياً.

لم تكن الصداقة بين الرجلين سوى وجهين لثورة شعبية واحدة: سونكو الزعيم الكاريزمي الشعبوي الذي أشعل الشارع ضد نظام ماكي سال، وفاي الوجه الهادئ المؤسساتي. وعندما مُنع سونكو من الترشح للانتخابات الرئاسية، دفع بـ«تلميذه» فاي الذي فاز، وعُيّن سونكو رئيساً للوزراء في أبريل 2024. بدا الأمر مثالياً في البداية، لكن الصداقة اصطدمت سريعاً بشهوة السلطة والضغوط الاقتصادية المتصاعدة.

التحذير الذي لم يُسمع

قبل الإقالة بثلاثة أسابيع، وتحديداً في 4 مايو 2026، وجّه الرئيس فاي تحذيراً علنياً على التلفزيون الرسمي قال فيه إن حزب PASTEF يسير في طريق قد يؤدي إلى انهياره، لكنه أكد أن سونكو سيبقى رئيساً للحكومة «طالما يؤدي عمله بشكل جيد». وأضاف بعبارة أصبحت نبوءة ذاتية: «اليوم الذي لن أكون فيه راضياً، سأضع مصالح السنغال أولاً». كان هذا التحذير أول شرخ واضح في الجدار، لكن سونكو مضى في طريقه.

المثلية، الصناديق السوداء، وإعلان الحرب

ساعات فقط قبل إقالته، ألقى سونكو خطاباً حاداً أمام البرلمان جمع فيه بين الشعبوية الحادة والطعن المباشر في صلاحيات الرئيس. فقد هاجم ما وصفه بـ«الطغيان الغربي» الذي يحاول، على حد تعبيره، «فرض المثلية» على السنغال، قائلاً إن 80% من سكان العالم يرفضون هذه الممارسات، وإن الغرب وحده من يسعى لفرضها. ودافع عن تشديد عقوبة العلاقات المثلية (من 5 إلى 10 سنوات) وطالب بتطبيق كامل للقانون.

لكن الأخطر كان في محورين آخرين: الأول، انتقاده تأخر تنفيذ الالتزامات الحزبية، والثاني، فتحه ملف «الصناديق السوداء» – أي الأموال السرية التي ينفق منها الرئيس على قضايا يراها ذات أهمية دون رقابة – داعياً إلى خضوع هذه الأموال لرقابة الجمعية الوطنية (البرلمان).

وقال سونكو في ذلك الخطاب: «عندما دخلنا معترك السياسة، أخبرتكم أن أهم المؤسسات هي الجمعية الوطنية والسلطة التنفيذية… الوزير الأول هو المسؤول الذي يدرك دوره حقاً، ولا ينبغي أن ينتظر، ولا يتردد، ولا يستأذن قبل القيام بعمله. أنا، عثمان سونكو، لست من أولئك. لو كنت رئيساً للجمهورية، لما احتجت إلى وزير أول يفتقر إلى مهارات التفكير النقدي… أحتاج إلى وزير أول يصارحني بالحقيقة. حزب باستيف هو الحزب الحاكم حالياً. وعلى من لديهم مشاكل معنا أن يهدأوا، لأن الخلافات داخل الحزب لا تعني الإقالة بمرسوم… تحل خلافاتنا داخل الحزب، وهناك لا نفرق بين الرئيس والوزير الأول.»

كان هذا الخطاب بمثابة إعلان حرب مفتوحة: انتقاد مباشر للرئيس، وتأكيد على استقلالية الوزير الأول، ودعوة لمراقبة أموال الرئاسة. لم يكن أمام فاي سوى الرد.

جذور الصراع العميقة

لم يكن الخطاب الأخير سوى القشة التي قصمت ظهر البعير وسط خلافات أعمق. فالسنغال مثقلة بديون تفوق 130% من الناتج المحلي، حيث رفض سونكو «الاستسلام» لشروط صندوق النقد الدولي بينما كان فاي أكثر براغماتية. لكن الأعمق من ذلك هو صراع النفوذ حول من يمسك بمركز السلطة الحقيقي في السنغال. فمنذ بداية مايو، برز تنافس محموم بين تحالف «ديوماي رئيس» (الداعم للرئيس فاي) وحلفاء سونكو داخل PASTEF، في ظل استعدادات مبكرة لانتخابات 2029. وكان سونكو يتصرف أحياناً كـ«الرئيس الحقيقي»، بينما أراد فاي استعادة السيطرة الكاملة. ويُقال إن سونكو كان يريد إقالة فاي – وهو أمر مستحيل دستورياً – بينما كان فاي يأمل أن يستقيل سونكو بنفسه، فالتقت الإرادتان في مرسوم الإقالة.

موقف الحزب

أصدر حزب PASTEF بياناً رسمياً اطلع عليه رفيق إنفو أخذ فيه علماً بقرار الرئيس، مشيداً بالعمل «المتميز» الذي أنجزه سونكو وحكومته، وأعلن استعداده لمؤتمره المرتقب في 6 يونيو 2026، مجدداً التزامه بالمشروع الذي صوّت له السنغاليون في 2024، والدفاع عن السيادة والوحدة الإفريقية.

ردة فعل الشارع

مع إعلان الإقالة، خرج أنصار عثمان سونكو – الذي يحظى بقاعدة شعبية جارفة خاصة بين الشباب – إلى الشارع. تجمعوا أمام منزله في حي كير غورغي بداكار، مرددين هتافات داعمة له ومطالبين بالوفاء لـ«روح التغيير» التي جاءت بهم إلى السلطة في 2024. ظهر سونكو نفسه أمام الحشود بهدوء، محيياً أنصاره، وكان ردّه الأول على الإقالة مقتضباً عبر وسائل التواصل: «الحمد لله.. الليلة سأنام مرتاح القلب في حي كير غورغي». رسالة تعكس قبولاً هادئاً نسبياً، لكنها لم تهدئ حماس أنصاره الذين يرون فيه «الزعيم الشعبي الحقيقي». حتى الآن، بقيت التظاهرات سلمية نسبياً، وتولت قوات الأمن حفظ النظام. لكن الشارع السنغالي – الذي عرف احتجاجات دامية في السنوات الماضية – يتابع المشهد بتوتر، خوفاً من تصعيد محتمل إذا امتدت الأزمة.

ما بعد الطلاق

حتى الآن لم يُعلن عن خلف. يتردد اسم مختار ديوب (الخبير الاقتصادي الدولي) كأبرز المرشحين.

السنغال تدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين، والأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كان الرئيس فاي قادراً على توحيد حزبه وتجاوز تداعيات هذا الانقسام، أم أن الشقوق ستتعمق أكثر لتعيد خلط الأوراق السياسية في واحدة من أكثر ديمقراطيات غرب أفريقيا رسوخاً.

المصدر : رفيق أناليتكس

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة رفيق إنفو. يُمنع منعًا باتًا إعادة نشر أو نسخ أي جزء من هذا المقال دون إذن خطي مسبق من الإدارة.requestrafiq@gmail.com

رفيق انفو
رفيق إنفو هو موقع إخباري مستقل مرخص من قبل السلطة العليا للإعلام السمعي البصري في تشاد (HAMA)، باعتباره صحيفة إلكترونية مسجلة تحت الرقم 0324
error: نسخ المحتوى ممنوع