الخميس
-
5 مارس، 2026
https://rafiqinfos.net

وساطة ترامب في سد النهضة.. ترحيب مصري حذر ورفض قاطع لأي مقايضة على السيادة

القاهرة – بسنت السيد خاص لـ(رفيق إنفو)

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال لقائه بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي على هامش منتدى دافوس في يناير الماضي، اعتزامه التدخل شخصياً لحل أزمة سد النهضة الإثيوبي، في خطوة أعادت ملف المفاوضات المتعثرة إلى الواجهة. لكن التحرك الأمريكي، رغم الترحيب المصري الرسمي به، أثار تساؤلات حول طبيعة الدور الأمريكي، ومدى احتمالية وجود مطالب أمريكية مقابل الوساطة، وخيارات القاهرة في حال فشلها.

نفي مصري لوجود مقابل للوساطة

نفى الخبير العسكري اللواء سمير فرج بشكل قاطع وجود أي مطالب أمريكية مقابل الوساطة. وقال لـ(رفيق إنفو): “أنا ضد أن يكون هناك مقابل للوساطة الأمريكية”، موضحاً أن مصر تقف مع الولايات المتحدة في حل القضية الفلسطينية “لأنها اليوم تحل بمبادرة من الرئيس ترامب شخصياً”، مشيراً إلى أن فشل المبادرة “سيُحسب على الرئيس ترامب نفسه”.

وأضاف فرج أن نجاح المبادرة “لابد أن يتم من خلال مصر لأنها الدولة الوحيدة التي يمكن أن تكون وسيطاً فاعلاً في حل الأزمة الفلسطينية”، في ظل الرفض الإسرائيلي لكل من قطر وتركيا. وخلص إلى أن “الرئيس ترامب وجد أن مصر هي القوة الرئيسية في المنطقة، ومن ثم يجب أن يؤيدها ويقويها، ولذلك سوف يساعدها في مشكلة سد النهضة”.

تجربة تفرض القلق

من جهته، رأى الدكتور إبراهيم درويش، وكيل كلية الزراعة الأسبق، أن التجربة السابقة مع الوساطة الأمريكية خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب “تفرض قدراً مشروعاً من القلق”. وأشار في تصريح لـ(رفيق إنفو) إلى أن واشنطن كانت “على مقربة من رعاية اتفاق قانوني ملزم، قبل أن تنسحب إثيوبيا في اللحظة الأخيرة”، مؤكداً أن “الأزمة لا تكمن في غياب الوسطاء، بل في غياب الإرادة السياسية لدى الطرف الإثيوبي للالتزام بقواعد القانون الدولي”.

وأوضح درويش أن الترحيب المصري بالوساطة الأمريكية “لم يكن تعبيراً عن ضعف موقف أو قلة حيلة، بل جاء امتداداً لنهج مصري ثابت يقوم على إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية، وإعطاء الفرصة الكاملة لكل المسارات السلمية قبل الانتقال إلى خيارات أخرى”.

خطوط حمراء غير قابلة للتفاوض

في سياق التساؤلات حول “مقابل” الوساطة، اعتبر درويش أن السؤال “منطقي ولا ينطوي على تشكيك، بل على قراءة واقعية للمشهد الدولي” حيث تتحرك القوى الكبرى وفق “حسابات استراتيجية معقدة”. لكنه أكد أن الدولة المصرية “تدرك الفارق بين الانفتاح السياسي والتفريط في السيادة، وبين المرونة الدبلوماسية وتجاوز الخطوط الحمراء”.

وشدد درويش على أن قناة السويس “ليست مجرد ممر ملاحي، بل رمز للسيادة الوطنية ورافد أساسي للاقتصاد المصري، وتدار وفق اتفاقية القسطنطينية التي تضمن حرية الملاحة دون تمييز”، مؤكداً أن “أي طرح يخرج عن هذا الإطار القانوني لا يمكن اعتباره مقبولاً، لأن المساس بقواعد إدارة القناة يفتح الباب أمام مطالب مماثلة من قوى أخرى”.

رفض قاطع لضخ مياه النيل إلى غزة

أما فيما يتعلق بالمقترحات الأمريكية المحتملة لضخ مياه النيل إلى قطاع غزة ضمن خطط الإعمار، فرفضها جميع الخبراء الذين تحدثوا لـ(رفيق إنفو) رفضاً قاطعاً.

قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية: “اقتراح ضخ مياه النيل لغزة خط أحمر مطلق لا يمكن قبوله تحت أي ظرف”. وأوضح أن مصر “تعاني بالفعل من فقر مائي حاد بنصيب فرد يبلغ 550 متراً مكعباً سنوياً، وهو أقل بكثير من خط الفقر المائي العالمي البالغ 1000 متر مكعب”.

وحذر مهران من أن “تحويل مياه النيل لغزة سيفتح الباب لمطالبات أخرى من دول عربية وأفريقية، وقبول هذا المبدأ يعني تحويل النيل من نهر مصري سوداني إلى نهر إقليمي مفتوح للجميع”.

واتفق المهندس حسام الدين علي، النائب الأول لرئيس حزب الوعي المصري، مع هذا الموقف، واصفاً الاقتراح بأنه “غير واقعي ومرفوض في القاهرة لأنه سيهدد حصة مصر البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً”. وأشار إلى أن مصر “تقترح بدائل مثل خطة إعمارها بـ53 مليار دولار تركز على التنمية دون توريط مياه النيل في أي تفاوض”.

مقابل معقول أم مقايضة مرفوضة؟

فيما يتعلق بإمكانية تقديم مصر “تسهيلات” مقابل وساطة أمريكية ناجحة، تباينت الرؤى.

أكد مهران أن “القلق المصري مشروع لكنه يجب ألا يتحول لهاجس يشل الحركة”. ورأى أن “أي مقابل يجب أن يكون معقولاً ومتوازناً ولا يمس السيادة المصرية أو الأمن القومي”. واستدرك: “تقديم تسهيلات لأمريكا مقابل وساطة ناجحة أمر مشروع، لكن يجب أن تكون هذه التسهيلات محددة زمنياً ومقيدة بشروط. عبور السفن الأمريكية مجاناً في قناة السويس لسنوات طويلة غير مقبول، لكن تخفيض الرسوم أو منح تسهيلات محددة لفترة قصيرة يمكن دراسته”.

في المقابل، شدد الدكتور عبد الغني الحايس، مساعد رئيس حزب العدل للاتصال السياسي، على أن “الشائعات التي تروج أن تدخل واشنطن لإنهاء الأزمة مقابل مرور السفن الأمريكية بقناة السويس بدون سداد رسوم العبور، هذا أمر صعب الحدوث، وتقليل من السيادة المصرية، ولن تقبل مصر بممارسة أي ضغط عليه”.

خيارات مصر في حال فشل الوساطة

أجمع الخبراء على أن مصر تمتلك خيارات متعددة في حال فشلت الوساطة الأمريكية واستمرت إثيوبيا في سياساتها الأحادية.

حدد مهران هذه الخيارات في:

  1. اللجوء لمجلس الأمن بموجب الفصل السابع.
  2. الاستمرار في الضغط الدولي وبناء تحالف أفريقي-عربي ضد الانتهاكات الإثيوبية.
  3. كملاذ أخير، ممارسة الحق في الدفاع عن النفس المكفول في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

من جهته، أشار درويش إلى مسارات أخرى تشمل “توسيع المسارات القانونية الدولية، وتحركات دبلوماسية أوسع نطاقاً، وتعزيز التعاون مع دول حوض النيل المتضررة من السياسات الإثيوبية”، بالإضافة إلى “تقوية الجبهة الداخلية عبر التوسع في تحلية المياه، ومعالجة الصرف الزراعي والصحي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد المائية”.

أما الحايس فاعتبر أن “مصر طرقت كل الأبواب للتفاوض، وخاطبت المجتمع الدولي والعربي والإفريقي وكل المنظمات الأممية”، مؤكداً أن “كل الخيارات ستكون متاحة أمام مصر في حالة سد الأفق الإثيوبي”. وشدد على أن “مصر لن تسمح ولن تفرط في ما هو حق لها من حصة، ونحن نثق في القيادة السياسية التي أقسمت على حماية كل نقطة مياه”.

يُذكر أن مصر تتعامل مع الوساطة الأمريكية الجديدة في ملف سد النهضة من موقع القوة لا الضعف، مرحبة بالدور الأمريكي لكنها متمسكة بثوابتها: حصة مائية تاريخية لا تُمس، وسيادة وطنية غير قابلة للتفاوض، ورفض قاطع لأي مقايضة تمس الأمن المائي أو الاقتصادي. وفيما تمنح القاهرة الفرصة كاملة للمسار الدبلوماسي، تبقى جميع الخيارات مفتوحة على طاولتها، استناداً إلى حقها المشروع في الدفاع عن وجودها ومستقبل أجيالها.

رفيق انفو
رفيق إنفو هو موقع إخباري مستقل مرخص من قبل السلطة العليا للإعلام السمعي البصري في تشاد (HAMA)، باعتباره صحيفة إلكترونية مسجلة تحت الرقم 0324
error: نسخ المحتوى ممنوع