القاهرة – بسنت السيد خاص لـ(رفيق إنفو)
تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تشهد فيه طهران موجة احتجاجات هي الأوسع منذ سنوات. تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التحريضية للمتظاهرين الإيرانيين، إلى جانب تحركات عسكرية أمريكية في المنطقة، أعادت طرح سؤال مصير النظام الإيراني، ومدى جدية التهديدات الأمريكية، وموقف القانون الدولي من التدخل في الشؤون الإيرانية.
احتجاجات غير مسبوقة.. لكن النظام لم ينهار
تؤكد الدكتورة ريم أبو الخير، الباحثة الأكاديمية المتخصصة في الشأن الإيراني، أن النظام الإيراني “يمر بأعمق أزمة شرعية منذ قيام الثورة عام 1979”. وتشير في تصريحاتها لـ(رفيق إنفو) إلى أن الاحتجاجات الحالية تتميز باتساعها الجغرافي وتنوع المشاركين، وتحول الشعارات من مطالب معيشية إلى “رفض مباشر لبنية النظام نفسها، وعلى رأسها ولاية الفقيه”.
غير أنها تستدرك قائلة: “لا يزال النظام يمتلك أدوات قمع قوية، والمؤسسة العسكرية – الأمنية متماسكة حتى اللحظة، في ظل غياب قيادة معارضة موحّدة داخل البلاد، ما يجعل المشهد أقرب إلى تآكل بطيء للنظام لا إلى انهيار فوري”.
وترجع أبو الخير الشرارة الأولى للتظاهرات إلى أسباب اقتصادية، حيث خرج تجار “البازار” احتجاجاً على السياسات الاقتصادية المتدهورة، قبل أن تتسع الحركة لتشمل قطاعات أوسع من المجتمع الإيراني الذي يعاني، وفقاً لها، من “القمع السياسي وحالات الإعدام المتكررة، وفرض الحجاب الإجباري، والأزمة الاقتصادية العميقة”.
النظام قادر على الاحتواء
في المقابل، يرى الدكتور هشام البقلي، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني ومدير مركز القادة للدراسات الاستراتيجية، أن الاحتجاجات الحالية “لا تفضي إلى قرب نهاية النظام الإيراني”. ويستند في تقييمه إلى عدة عوامل، أبرزها “غياب القيادة الموحدة لهذه التظاهرات”، و”تنوعها الفئوي” حيث تختلف مطالب المحتجين من منطقة إلى أخرى، ما يمكن النظام من “احتواء تلك الاحتجاجات عبر مسكنات مؤقتة”.
ويحذر البقلي من تأثير التدخلات الخارجية، معتبراً أن النظام الإيراني “يستطيع بكل سهولة استخدام هذا الأمر كذريعة لقمع التظاهرات، في إشارة واضحة منه أن التظاهرات عبارة عن مؤامرة خارجية وليست مطالب حقيقية”. ويؤكد أن النظام اعتاد على مثل هذه الموجات الاحتجاجية، ولا يمكن الجزم بسقوطه في القريب العاجل.
بين سيناريو الهروب والبقاء
تثير تقارير غير مؤكدة عن وصول طائرات روسية إلى طهران تساؤلات حول احتمال خروج المرشد علي خامنئي إلى روسيا في حال تدهورت الأوضاع. وترى أبو الخير أن هذا السيناريو “مطروح بقوة” في أوساط التحليل، ويعكس “مستوى القلق داخل دوائر التحليل من تطور المشهد الإيراني”.
لكن البقلي يستبعد هذا الاحتمال بشكل قاطع، مؤكداً أن “المرشد الإيراني رمز للدولة الإيرانية، ومعنى هروبه هو سقوط النظام الإيراني بشكل كامل”. ويتوقع أن “يظل متواجداً، وسيظل يبعث برسائل للمتظاهرين وإلى الخارج”، مشدداً على أن النظام لا يقتصر على شخص المرشد، بل تمتد أذرعه السياسية والأمنية والعسكرية لتتحكم في مفاصل الدولة.
انتهاك صريح
من منظور القانون الدولي، يصف الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، التصريحات والتحركات الأمريكية بأنها “تدخل سافر في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة”. ويشير إلى أن “المادة الثانية الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة تحظر بوضوح التدخل في الشؤون الداخلية للدول”.
ويضرب مهران أمثلة على فشل سياسة تغيير الأنظمة بالقوة، مستشهداً بالعراق وليبيا وسوريا، محذراً من أن “السيناريو الإيراني لن يكون مختلفاً إذا استمرت أمريكا في نهجها الحالي”. ويؤكد أن النظام الإيراني لا يزال يمتلك مقومات البقاء، وعلى رأسها “جيش قوي، حرس ثوري منظم، أجهزة أمنية فعالة، قاعدة شعبية محافظة، وحلفاء إقليميون”.
ويشدد على أن “الرهان الأمريكي على انهيار النظام الإيراني من الداخل رهان خطير وغير محسوب العواقب”، مشيراً إلى أن “إيران تعرضت لحرب دامية مع العراق استمرت ثمان سنوات وقتلت مليون إيراني ولم ينهار النظام، فكيف ستنهيه ضربات جوية محدودة اليوم؟”.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
يحدد مهران أربعة سيناريوهات محتملة للمشهد الإيراني – الأمريكي:
وساطة محورية وسط التصعيد
في خضم هذا التوتر، يشير مهران إلى أن مصر “تلعب دوراً محورياً في منع انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية كارثية”. ويوضح أن القاهرة “تستخدم علاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف للدعوة إلى ضبط النفس والحوار بدلاً من المواجهة العسكرية”، مستندة إلى “المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة التي تشجع الوساطة والتوفيق كوسائل سلمية لحل النزاعات”.
ويؤكد أن “نجاح مصر الأخير في التوسط لوقف إطلاق النار في غزة يعزز من مصداقيتها كوسيط موثوق”، داعياً المجتمع الدولي إلى “دعم الجهود المصرية والإقليمية لمنع التصعيد”.
يجمع الخبراء على أن النظام الإيراني، رغم عمق أزمته الداخلية واتساع رقعة الاحتجاجات ضده، لا يزال بعيداً عن الانهيار الفوري بفضل تماسك مؤسساته الأمنية والعسكرية وقدرته على استيعاب الصدمات. في المقابل، تمثل التدخلات الأمريكية، سواء عبر التحريض أو التهديد العسكري، انتهاكاً للقانون الدولي ومغامرة قد تشعل حرباً إقليمية كارثية. ويبقى الحل الدبلوماسي عبر الحوار والمفاوضات هو السبيل الوحيد لتجنيب المنطقة والخروج من الأزمة.