الخرطوم – مشاعر أحمد خاص لـ(رفيق إنفو)
يشهد النزاع المسلح في السودان تحولاً نوعياً مع اعتماد الطرفين المتنازعين – القوات المسلحة وقوات الدعم السريع – بشكل متزايد على الطائرات المسيرة. يأتي هذا التطور في أعقاب ضربات جوية حديثة طالت ولاية النيل الأزرق الحدودية مع إثيوبيا، مما يسلط الضوء على دور هذه التكنولوجيا في إعادة تعريف موازين القوى العسكرية في النزاعات المحلية.
تحول في مفهوم الحرب التكتيكية
يقول الخبير العسكري العميد مهندس إبراهيم عقيل مادبو لـ(رفيق إنفو) إن الاستخدام المكثف للمسيرات “غيّر وجه العمليات العسكرية بشكل جذري”. ويوضح أن هذه الأنظمة وفرت لقوات الجيش السوداني، في ظل تحديات التمويل، قدرات استخباراتية متقدمة وضربات دقيقة ضد أهداف خصمه، مما ساعد في “اختراق الأراضي وقطع الإمدادات”.
من جهته، يشير المختص في النزاعات سراج الدين عبدالغفار إلى أن السلاح أحدث “تحولًا نوعيًا” على المستوى التكتيكي والاستخباري، كونه من “أسهل الوسائل في جمع المعلومات وتحديد الإحداثيات الدقيقة”. ويضيف أن امتلاك وسائل التشويش المضادة أصبح “عاملًا حاسمًا في موازين القتال”.
حدود التأثير وعدم القدرة على الحسم
على الرغم من المكاسب التكتيكية، يتفق الخبراء على أن الطائرات المسيرة ليست سلاحاً حاسماً بذاته. يقول مادبو: “الافتراض بأن المسيرات ستحسم الحرب وحدها افتراض مضلل… الحرب يظل البر أساسها”. ويؤكد أنها تعمل كأداة دعم حيوية ولكنها “ليست بديلاً كاملًا للقوات البرية”، التي تبقى ضرورية للسيطرة على الأرض.
يدعم هذا الرأي الخبير الأمني المستقل عمر أرباب، الذي يرى أن المسيرات “لا تستطيع وحدها تحقيق نصر حاسم دون تدخل القوات البرية”، بل قد “تسهم في إطالة أمد الحرب وتحويلها إلى حرب استنزاف طويلة”. ويخلص عبدالغفار إلى أن “الحسم الفعلي يرتبط بالتقدم على مستوى الأرض واحتلالها”، وهو دور وحدات المشاة التقليدية.
تصنيفات تقنية وتحديات الدفاع
وفقاً لضابط مهندس في الطيران السوداني فضل حجب اسمه، تُستخدم في ساحات القتال أنواع متعددة من المسيرات تتراوح بين المسيرات التكتيكية قصيرة المدى (مثل DJI Mavic المعدلة)، والاستراتيجية بعيدة المدى (مثل الطرازات التركية بيرقدار أو الصينية CH-4)، والانتحارية (مثل الإيرانية شاهد 136).
ويشير المصدر إلى أن التحدي الأبرز يتمثل في التصدي لهذه الأنظمة بسبب “بصمتها الرادارية الضعيفة وانخفاض تكلفة تصنيعها مقارنة بصواريخ الدفاع الجوي”. ويؤكد أن “التشويش بوضعه الحالي لم يعد كافيًا”، خاصة مع ظهور أجيال جديدة تتصل بالألياف البصرية.
تداعيات إنسانية وإشكاليات قانونية
يحذر الخبراء من عواقب إنسانية وقانونية خطيرة. يقول الدكتور الرضي عبدالله، الخبير في القانون الدولي بجامعة الخرطوم، إن “المخاطر على المدنيين تكون كبيرة” بسبب التحكم عن بعد ونسبة الخطأ العالية في التمييز بين الأهداف.
ويوضح أن “القواعد القانونية لا تتغير بسبب المسيرات”، حيث تظل مبادئ التمييز والتناسب سارية. ويحذر من أن المشغلين “عرضه للمسائلة” وقد تندرج أفعالهم تحت “جرائم حرب وابادة جماعية وجرائم ضد الانسانية” في حال انطباق الشروط.
مستقبل الصراع واستراتيجيات المواجهة
يشير أرباب إلى أن الاعتماد على هذه التكنولوجيا “يزيد من التدخلات الخارجية”، نظراً لحاجة الأطراف لمصادر توريد متطورة. وقد تدفع تكلفة الحرب الباهظة والاستنزاف في النهاية “نحو البحث عن حلول سياسية”.
من ناحيته، يدعو عبدالغفار إلى استثمار طويل المدى في “العنصر البشري”، مقترحاً إدخال تقنيات المسيرات ضمن مناهج التعليم الجامعي والثانوي لتطوير أجيال قادرة على التعامل مع “عصب الحرب الحديثة”.
يؤكد الخبراء أن المسيرات، شأنها شأن القنبلة الذرية في الماضي، فقدت “عنصر التفرد” مع انتشارها الواسع. ويخلص عبدالغفار إلى أن نتيجة الصراع ستتحدد في النهاية بعوامل تتجاوز نوع السلاح، لتشمل “إرادة الشعب واستعداده للتضحية، وعدالة القضية التي يقاتل أو يدافع من أجلها”.