القاهرة – بسنت السيد – خاص لـ«رفيق إنفو»
بعد سنوات من الجمود، تعود العلاقات بين مصر وتركيا لتسطر فصلاً جديداً من التقارب في الرؤى والتعاون في مجالات عدة، فرضته التغيرات الإقليمية والمصالح المشتركة. وقد برز هذا التقارب عسكرياً في معرض “إيديكس 2025” من خلال عرض نماذج للمقاتلات الشبحية التركية، ونقل المكتب الإقليمي لوكالات كبرى الشركات التركية في التصنيع الحربي إلى القاهرة.
أشكال التعاون وآفاقه
أثمر التقارب عن توقيع 20 اتفاقية في مجالات متنوعة تشمل الطاقة والدفاع والسياحة والصحة والتعليم والثقافة، بهدف رفع حجم التبادل التجاري من 10 إلى 15 مليار دولار.
ويرى الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج، أن التعاون العسكري يمثل “خطوة مهمة” تعكس التقارب بين أقوى جيشين في المنطقة. وأوضح لـ«رفيق إنفو» أن مجالات التعاون تشمل تبادل المعلومات والتصنيع الحربي المشترك، متجسدة بالفعل في صفقة المسيرات التركية لمصر واستئناف المناورات البحرية المشتركة السنوية التي جُمّدت منذ 2013.
وقد اختتمت مناورات “بحر الصداقة” في سبتمبر الماضي، مما أثار قلقاً إقليمياً، علقت عليه صحيفة “معاريف” الإسرائيلية بأنه “يشير إلى تحول محتمل في العلاقات الإقليمية والتعاون الأمني”.
من الدبلوماسية إلى التصنيع المشترك
تمثل افتتاح المكتب التمثيلي لشركة “أسيلصان” التركية الرائدة في التصنيع العسكري في القاهرة نقلة نوعية، تتجاوز الدبلوماسية إلى مرحلة الشراكة الصناعية الفعلية.
وكشف المدير العام للشركة، أحمد أق يول، أن التعاون يشمل:
دوافع التقارب في بيئة إقليمية مضطربة
يُرجع الدكتور بشار نرش، الباحث المتخصص في العلاقات التركية، هذا التقارب إلى تحولات جيوسياسية متسارعة على مستويين:
هل ننتظر تحالفاً عسكرياً كاملاً؟
يشرح د. نرش أن المناورات المشتركة لا تعني تحالفاً عسكرياً رسمياً (كالناتو)، لكنها “تشير إلى ارتباطات عسكرية متنامية وتنسيق أمني عملي” قد يتطور مستقبلاً. ويخلص إلى أن التعاون الحالي هو “تعميق تدريجي” و”تنسيق أمني عملي مدروس” أكثر من كونه تحالفاً كاملاً.
فرص النجاح في التصنيع المشترك
يرى د. نرش أن التقارب “يوفر شروطاً أولية مواتية” للتعاون الصناعي الحربي، لكن الانتقال إلى تحالف صناعي مكتمل يواجه اعتبارات واقعية:حساسية التوازنات الإقليمية والدولية. غياب إطار مؤسسي رسمي للتحالف. الطابع البراغماتي (المنفعي) للتقارب الحالي.
المنظور القانوني والرسائل الإقليمية
من جانبه، يرى الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي، أن هذا التقارب “يستند لأسس قانونية وسياسية متينة” ويخدم الاستقرار الإقليمي. ويشير إلى أن القلق الإقليمي، خاصة من إسرائيل، ينبع من خشية تشكيل “محور قوي” قد يغير موازين القوى ويعزز الدعم للقضية الفلسطينية ويضغط على السياسات العدوانية.
التعاون العسكري المصري التركي يمثل تحولاً استراتيجياً مهماً في علاقات قوتين إقليميتين رئيستين، مدفوعاً بمصالح أمنية واقتصادية مشتركة في بيئة مضطربة. في المدى المنظور، يبدو المسار أقرب إلى “تنسيق عملي وتعميق تدريجي” يركز على مشاريع صناعية دفاعية محددة، يمكن أن تبنى عليهما ثقة وقدرات مشتركة. نجاح هذا المسار في الانتقال إلى تحالف صناعي أعمق سيعتمد على قدرة الطرفين على المواءمة بين أولوياتهما الوطنية المعقدة، وإدارة الحساسيات الإقليمية والدولية بعناية، وتحويل الإرادة السياسية الحالية إلى أطر مؤسسية دائمة ومشاريع ملموسة تخدم الاستقلالية الدفاعية لكليهما.