انجمينا- رفيق إنفو
يصادف اليوم، 28 فبراير/شباط 2026، الذكرى الثانية لمقتل السياسي التشادي المعارض يحيى ديلو جيرو بيتشي، زعيم الحزب الاشتراكي بلا حدود، في 28 فبراير/شباط 2024. الحادثة التي وقعت في مقر الحزب بالعاصمة انجمينا، أثارت جدلاً واسعاً حول ظروفها وما إذا كانت اشتباكاً مسلحاً أم عملية استهدفت المعارض البارز، في مشهد يعكس حالة الاستقطاب التي تشهدها الساحة السياسية في تشاد.
مع مرور عامين، يظل اسم ديلو حاضراً في الذاكرة الجماعية، حيث يُحيي أنصاره ذكراه عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرين إياه رمزاً للنضال ضد “القمع”، بينما تستمر السلطات في رفض أي تحقيق مستقل دولي، رغم الوعود السابقة.
ولد يحيى ديلو عام 1974، وينتمي إلى مجموعة الزغاوة العرقية، التي ينحدر منها الرئيس السابق إدريس ديبي والرئيس الحالي محمد إدريس ديبي إتنو (ابن عمه). شارك في صباه في الحرب التي أوصلت عمه إدريس ديبي إلى السلطة عام 1990، قبل أن يغادر لدراسة الهندسة الكهربائية والاتصالات في جامعة أوتاوا بكندا في أواخر التسعينيات.
تولى مناصب حكومية مبكراً، حيث شغل حقيبة وزارة المناجم والطاقة بين عامي 2008 و2009، ثم عُين سفيراً لدى المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (CEEAC). قبل دخوله السياسة الرسمية، قاد جبهة “منصة التغيير والوحدة والديمقراطية” (SCUD) في دارفور ضد نظام عمه إدريس ديبي.
بدأ تحوله إلى معارض للنظام عقب خلافات مع قيادة الحزب الحاكم، ليعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية لعام 2021. في 28 فبراير/شباط 2021، نفذت القوات الأمنية مداهمة لمنزله في نجامينا، أسفرت عن مقتل والدته ونجله. كتب ديلو آنذاك على صفحته: “لقد قتلوا للتو أمي والعديد من أقاربي… لقد حطمت مركبة مصفحة باب منزلي الرئيسي. النضال من أجل العدالة يجب أن يستمر لإنقاذ بلدنا”.
شكل هذا الحادث منعطفاً حاسماً في مسيرته، حيث انتقل إلى خط المواجهة المباشر مع النظام، وترأس حزب PSF في أغسطس/آب 2021، ليصبح أحد أبرز أصوات المعارضة للمجلس العسكري الانتقالي.
عُرف عن ديلو خطابه السياسي الحاد ورفضه للمسار الانتقالي. وثق موقع “رفيق إنفو” الإخباري العديد من تصريحاته البارزة:
في تصريحات أخرى، قال: “نحن لا نطمح إلى السلطة، بل إلى تشاد أفضل”، محذراً من “الانقسامات العرقية التي تسمح للديكتاتوريات بالبقاء”.
في 28 فبراير/شباط 2024، وبعد اعتقال القيادي في حزبه أبكر ترابي بتهمة محاولة اغتيال رئيس المحكمة العليا، نفذت قوات الأمن عملية عسكرية على مقر PSF. وفقاً للرواية الرسمية، كانت العملية تهدف لاعتقال ديلو بتهم تتعلق بالأمن الوطني، وتطورت إلى تبادل إطلاق نار أسفر عن مقتله. نفت الأسرة والحزب هذه الرواية، ووصفاها بأنها “إعدام ميداني”. قال ديلو قبيل مقتله إن الاتهامات “تلفيق” و”مسرحية” تهدف إلى “تخويفي حتى لا أذهب إلى الانتخابات”.
أدى الهجوم إلى مقتل عدد من أنصاره وأقاربه، ودمر المقر بالكامل، مع اعتقال عشرات، بينهم صالح ديبي (عم الرئيس غير الشقيق). أغلقت الإنترنت والمدارس، وفرضت إجراءات أمنية مشددة.
عبرت العديد من النشطاء على وسائل التواصل عن الصدمة والحزن. كتب أحد المغردين: “اللهم اغفر له وارحمه بالجنة مع الصديقين والشهداء، كلامه كان حقاً وكان ذكرى للشعب التشادي”. ووصفه آخرون بأنه “صوت المعارضة الذي لا يخشى في الحق لومة لائم”.
اعتبرت هيلغا ديكو، الباحثة المتخصصة في شؤون إفريقيا جنوب الصحراء، أن خسارة ديلو “مأساوية لتشاد”، لأنه كان “أحد السياسيين القلائل من شمال البلاد والوحيد من عشيرة الزغاوة الحاكمة الذي مد جسور التواصل مع المعارضة في الجنوب”.
أدان الدكتور أحمد يعقوب دابيو، رئيس مركز CEDPE، الاغتيال واصفاً إياه بأنه “صورة سيئة لتشاد”، مطالبًا بتحقيق دولي مستقل. نظمت الجالية التشادية في الولايات المتحدة وقفة احتجاجية أمام مقر الأمم المتحدة للمطالبة بـ”العدالة ليحيى ديلو”.
وصفت منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية الحادث بـ”اغتيال” يبرز مخاطر المعارضين، مطالبة بتحقيق مستقل (لم يتحقق حتى الآن). التزمت الحكومات الغربية، خاصة فرنسا والولايات المتحدة، الصمت الرسمي، وهو ما يُعزى إلى أهمية تشاد كحليف استراتيجي في منطقة الساحل.
شكّل مقتل يحيى ديلو ضربة قاسية للمعارضة السياسية قبل انتخابات مايو/أيار 2024، التي أسفرت عن إعادة انتخاب الرئيس محمد إدريس ديبي إتنو. وبعد أيام قليلة من الحادثة، وتحديداً في مارس/آذار 2024، أعلنت الحكومة حل الحزب الاشتراكي بلا حدود رسمياً. لكن قيادة الحزب لم تعترف بهذا القرار، واستمرت هياكله في النشاط خارج البلاد، خاصة في فرنسا، حيث وجدت المعارضة ملاذاً للتنظيم.
على المستوى الأمني، استهدفت السلطات قيادات الحزب. ففي سبتمبر/أيلول 2024، اعتقل الأمين العام للحزب، روبرت غام، وأمضى ثمانية أشهر في الاعتقال قبل الإفراج عنه في يونيو/حزيران 2025. وبعد خروجه، انضم غام إلى نشاطات تنسيقية الحزب في فرنسا، حيث عقد مؤتمراً صحفياً في باريس في سبتمبر/أيلول 2025 كشف فيه تفاصيل جديدة حول مقتل ديلو وظروف اعتقاله.
وتواصل النشاط السياسي للحزب في المنفى عبر تنظيم فعاليات شعبية، من أبرزها مظاهرة كانت مقررة في باريس لكن أُرجئت إلى 28 مارس/آذار 2026، لتقام في ساحة الجمهورية بالتزامن مع الذكرى الثانية للحادثة.
في الداخل التشادي، اتخذت الأوضاع مساراً مزدوجاً. فمن جهة، أفرجت السلطات عن عدد من أقارب ديلو خلال عامي 2024 و2025 بعد تبرئتهم قضائياً. ومن جهة أخرى، لا يزال آخرون رهن الاعتقال حتى الآن. وشهدت العاصمة انجمينا في الذكرى الثانية توتراً أمنياً لافتاً، مع انتشار محدود للتعزيزات العسكرية بهدف منع أي تجمعات محتملة. وفي المقابل، يواصل أنصار ديلو إحياء ذكراه، واصفين إياه بـ”الشهيد” و”رمز العدالة”، في سردية متعارضة تماماً مع الرواية الرسمية.