الخرطوم- مشاعر أحمد خاص لـ(رفيق إنفو) –
أعلنت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان وفاة الطفل السوداني النذير الصادق داخل قسم شرطة في القاهرة، بعد 25 يوماً من احتجازه، نتيجة ما وصفته بالمعاملة القاسية وظروف الاحتجاز الكارثية. وقبله بأيام، توفي مبارك قمر الدين أبو حوة (67 عاماً) داخل مقر احتجازه في قسم شرطة الشروق، وفق أسرته وفريق الدفاع القانوني.
تكثف هاتان الوفاتان صورة القلق الذي يعيشه آلاف اللاجئين السودانيين في مصر، وسط حملات أمنية مشددة واتهامات بوقوع اعتقالات تعسفية وترحيل قسري، في غياب توضيحات رسمية من الجانبين المصري والسوداني.
حملات مشددة وأخطاء تنفيذ
تأتي هذه التطورات في سياق إجراءات أمنية مصرية مشددة أدت إلى اعتقال وترحيل سودانيين، رغم امتلاك بعضهم وثائق إقامة سارية أو بطاقات لاجئ صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ولم تصدر السفارة السودانية بالقاهرة أي تعليق رسمي، كما رفضت الجهات المصرية المعنية التعليق لـ(رفيق إنفو).
قالت الصحفية المصرية صباح موسى لـ(رفيق إنفو) إن مصر تستضيف نحو عشرة ملايين لاجئ، غالبيتهم من السودانيين. وأشارت إلى أن شهري يناير وفبراير يشهدان سنوياً حملات لضبط الوجود الأجنبي، لكن حملات هذا العام “كانت أشد صعوبة وصاحبتها أخطاء في التنفيذ”، حيث تم احتجاز أشخاص يحملون أوراقاً ثبوتية وإقامات سارية.
وأوضحت موسى أن أوضاع السودانيين في مصر تتسم بالارتباك والخوف، مشيرة إلى أن الحملات خفّت حدتها نسبياً مع مطالبات بتصحيح الأخطاء. وربطت التشديد بهواجس أمنية مصرية في ظل الحرب بالسودان وما يصاحبها من تسللات، إضافة إلى مخاوف من وجود عناصر قد تمثل تهديداً أمنياً.
كما أشارت إلى ارتباط الإجراءات بالوضع الاقتصادي، في ظل سعي الدولة لضبط أعداد اللاجئين مع تراجع الدعم المقدم من المنظمات الدولية. ونفت وجود طلب سوداني باتخاذ هذه الإجراءات، مؤكدة تنسيقاً بشأن العودة الطوعية شمل تخفيض أسعار تذاكر القطار وإعفاء من عليهم غرامات.
ترحيل يهدد الأرواح
يُقدّر عدد السودانيين الذين لجأوا إلى مصر منذ اندلاع القتال في أبريل 2023 بأكثر من 1.5 مليون شخص. وشهدت الأشهر الماضية عودة عشرات الآلاف إلى السودان بعد استعادة الجيش السيطرة على أجزاء واسعة، لكن الجزء الأكبر لا يزال في مصر.
قال ناشط سوداني فضل حجب اسمه لـ(رفيق إنفو) إن بعض المحتجزين رُحّلوا إلى السودان أو أُجبروا على العودة رغم امتلاكهم “الكرت الأصفر” الصادر عن المفوضية. وأضاف أن تقارير مستقلة تشير إلى مصادرة هذه البطاقات أحياناً أثناء الاعتقال لتسهيل الترحيل.
وأوضح أن بعض العائدين عبر معبر أرقين يواجهون تدقيقاً أمنياً مشدداً، وسط مخاوف من الاحتجاز التعسفي أو سوء المعاملة، مع قلق متزايد من أن الترحيل القسري قد يعرّض حياتهم للخطر في ظل استمرار النزاع بالسودان.
ودعت “منصة الجالية السودانية” اللاجئين إلى حمل وثائقهم بشكل دائم تفادياً للتوقيف، محذرة من “تفكيك الأسر” بعد ترحيل رب الأسرة، ومطالبة السلطات المصرية بمراعاة الأوضاع الإنسانية.
تحذيرات حقوقية وغضب سياسي
أرسلت منظمات أممية رسائل رسمية إلى الحكومة المصرية تحذر فيها من تصاعد الاعتقالات التعسفية والترحيل القسري، مطالبة باحترام مبادئ حماية اللاجئين، وعلى رأسها عدم الإعادة القسرية.
قال المحلل السياسي كمال كرار لـ(رفيق إنفو) إن ما يحدث للاجئين السودانيين في مصر “فاجعة” قد تؤثر على علاقة مصر الرسمية بسودان ما بعد الحرب. ووصف الحملات بأنها تتسم “بتعسف في استعمال السلطة”، مشيراً إلى صور من الإذلال وعدم مراعاة الظروف الإنسانية والمرضية للموقوفين.
وأشار كرار إلى تزامن الحملات مع تصاعد خطاب كراهية تجاه السودانيين عبر بعض الوسائط الإعلامية، وبث إشاعات تنفى لاحقاً. وأكد أن العودة القسرية إلى مناطق الحرب قد تعرّض الأرواح لخطر جسيم، مشيراً إلى أن حماية اللاجئين مكفولة بموجب اتفاقية عام 1951 وبروتوكولها لعام 1967.
وتسجل تقارير العامين الماضيين ارتفاعاً في حالات اعتقال شخصيات فاعلة في المجتمع السوداني بمصر، مع مخاوف من توسيع الإجراءات الأمنية لتشمل قطاعات تعليمية ومجتمعية، مثل إغلاق المدارس السودانية غير المرخصة.
في ظل هذه الأجواء، يبقى آلاف اللاجئين السودانيين بين الحاجة للأمان والخدمات الأساسية وقلق دائم من الاعتقال أو الترحيل، وسط نداءات عاجلة إلى الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية للتحرك الفوري، محذرين من مخاطر تعرض العائدين لانتهاكات جسيمة في ظل استمرار النزاع.