الخرطوم – مشاعر أحمد – خاص لـ (رفيق إنفو)
أعلنت القوات المسلحة السودانية، الأسبوع الماضي، فك الحصار عن مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، بعد أكثر من عامين من الحصار الخانق الذي فرضته قوات الدعم السريع بالتحالف مع الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، تحت مسمى قوات “تأسيس”.
يمثل هذا الاختراق العسكري تحولاً نوعياً في مسار العمليات بإقليم كردفان، وينظر إليه الخبراء على أنه بداية مرحلة جديدة من المبادرة العسكرية للجيش، تمهيداً لفك حصار مدينة كادوقلي واستعادة السيطرة على المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة المسلحة والمليشيا.
موقع استراتيجي وحصار إنساني خانق
تقع الدلنج، ثاني أكبر مدن جنوب كردفان، في موقع جغرافي بالغ الأهمية يربط شمال كردفان بجنوبها وغربها بشرقها، وصولاً إلى العباسية والفرقة العاشرة مشاة في أبو جبيهة. هذه الميزة جعلتها هدفاً عسكرياً رئيسياً تعرض لقصف مكثف بالطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة طوال فترة الحصار.
قال الناشط المجتمعي مصعب جبرالدار لـ(رفيق إنفو): “استمر الحصار لأكثر من عامين مع قصف متواصل، أغلقت خلاله جميع الطرق ومنعت البضائع من دخول المدينة. وعند وصولها كانت تباع بأسعار باهظة”. وأشار إلى وفاة ما يقارب 300 طفل وكبير سن بسبب الجوع وسوء التغذية، إضافة إلى أكثر من 200 قتيل جراء القصف المباشر.
مناورة الأبيض – الدلنج
أوضح الناطق باسم قوات العمل الخاص، محمد ديدان، لـ(رفيق إنفو) أن التخطيط للعملية انطلق من القواعد العسكرية في الأبيض والنيل الأبيض، حيث جرت مناورة دفاعات قوات الدعم السريع في مناطق الحمادي والدبيبات والحادث وكازقيل والرشاد.
وقال ديدان إن القوات تمكنت من “كسر الدفاعات المنتشرة على طول الطريق رغم وعورة الطبيعة الجغرافية”، مشيراً إلى أن الجيش “نجح في خداع المليشيا عبر محور مناورة الأبيض – الدلنج”، ونفذ عمليات نوعية عبر طريق الأبيض – الرهد – العباسية – كرتالة – هبيلا وصولاً إلى الدلنج، بدعم جوي واستخباراتي دقيق.
تأمين خط سيطرة يمتد لأكثر من 450 كيلومتراً
أكد ديدان أن فك حصار الدلنج يمهد لإنشاء “خط سيطرة ونار ومناورة” يربط كادوقلي في أقصى جنوب كردفان بمناطق شرق الدلنج والفرقة العاشرة مشاة في أبو جبيهة، وشمال كردفان عبر الرهد وأم روابة والأبيض، بطول يتجاوز 450 كيلومتراً.
وأضاف أن القوات المسلحة تعمل حالياً على فتح محور جديد لفك حصار الفرقة (14) مشاة في كادوقلي، التي تعاني بدورها من كارثة إنسانية جراء حصار استمر لأكثر من عامين، بعد قطع الطريق الرابط بين الدلنج وكادوقلي من قبل قوات الدعم السريع خلال الشهرين الماضيين.
انهيار الدعم السريع وتمهيد الطريق نحو دارفور
قال الخبير العسكري محمد خليل الصائم لـ(رفيق إنفو) إن الأهمية العسكرية لفك حصار الدلنج تكمن في “دخول القوات المسلحة عبر طرق وعرة تضم تلالاً وجبالاً وودياناً، ما يؤكد قدرتها على مواصلة الحرب بصورة فعالة واجتثاث التمرد في تلك المناطق”.
وأضاف أن القوات استغلت النجاح وقامت بتمشيط محيط الدلنج، في استغلال واضح للمبادرة، ما يفتح الطريق أمام زحف القوات نحو كادوقلي، ثم المجلد والضعين وبابنوسة. وأشار إلى “بدء تفكك قوات الدعم السريع وتسليم وحدات كاملة نفسها للجيش”، واصفاً ذلك بـ”نقطة تحول كبيرة في مسار الحرب”.
من جهته، أكد الخبير العسكري اللواء عوض عبدالرحمن أن قوات الدعم السريع في الدلنج وكادوقلي “انهارت”، مشيراً إلى ظهور “خلافات بينها وبين قوات عبدالعزيز الحلو”، مع وجود توجيهات بانسحاب المليشيا من كردفان.
وتوقع عبدالرحمن “انفراجاً واسعاً في كردفان ودارفور”، مع بشريات إيجابية بشأن مدينة الفاشر، في ظل “ضربات موجعة تلقاها الدعم السريع في غرب دارفور وتراجع خطوط الإمداد واختراق استخباراتي لمجموعات كبيرة منهم”.
عودة الحياة والتعافي التدريجي
بعد فك الحصار عبر طريق كرتالة – هبيلا – الدلنج، بدأت المدينة في التعافي التدريجي. وأفاد الناشط جبرالدار بانتشار الأمن وعودة الشاحنات المحملة بالبضائع وانخفاض الأسعار بصورة كبيرة، وتمكن المدنيون من التنقل والسفر بعد أن كان ذلك شبه مستحيل.
غير أنه أعرب عن مخاوفه من استمرار الاستهداف بالطائرات المسيّرة، سواء للمواقع الاستراتيجية أو الأحياء المدنية. ورغم ذلك، أكد أن المدينة “تعيش حاليًا أفضل أيامها”، متوقعاً فتح الطريق القومي الأبيض – الدبيبات – كادوقلي في القريب العاجل.
يُذكر أن فك حصار الدلنج يمثل تحولاً مفصلياً في مسار الحرب السودانية، ليس فقط على المستوى العسكري الميداني، بل أيضاً على الصعيد الإنساني. ويتجه الجيش السوداني، وفقاً للخطة المعلنة، نحو توحيد خطوط السيطرة في كردفان تمهيداً للزحف صوب دارفور، في وقت تتراجع فيه قدرات الدعم السريع العسكرية وتتصدع تحالفاتها مع الحركات المسلحة في الإقليم.