الخميس
-
5 مارس، 2026
https://rafiqinfos.net

صفقة الغاز المصري الإسرائيلي .. الجدل السياسي والاقتصادي والمستفيدون الحقيقيون

القاهرة- بسنت السيد (خاص لـ«رفيق إنفو»)

أثارت صفقة الغاز التي وقعت مؤخراً بين مصر وإسرائيل جدلاً واسعاً حول أهميتها والمستفيدين الحقيقيين منها، وتساؤلات عما إذا كانت ستؤدي إلى تهدئة التحركات العسكرية المصرية التي سببت قلقاً إسرائيلياً.

هدية على طبق من ذهب

على الجانب الإسرائيلي، أثارت تصريحات العقيد المتقاعد والباحث في الشأن المصري “إيلي ديكيل” على القناة السابعة الإسرائيلية تساؤلات نقدية حادة. تساءل ديكيل: “لماذا نحتاج أن نصدر غازاً لمصر؟”، مشيراً إلى أن مصر لا تحتاجه للاستهلاك بل “لتسييله وبيعه مرة أخرى إلى أوروبا بسبعة أضعاف ثمنه”. وتساءل عن سبب عدم قيام إسرائيل ببناء محطاتها الخاصة للتسييل والاستفادة من القيمة المضافة بدلاً من إعطاء الغاز لمصر “على طبق من ذهب”.

وحذر ديكيل من التوسع العسكري المصري “المرعب” في سيناء، واصفاً اتفاق السلام بأنه “مواجهة باردة” ونافياً وجود سلام حقيقي، مستدلاً بغياب الزيارات المتبادلة والجمود في العلاقات. وأكد أن “قوة مصر ونفوذها لا تشترى بالصفقات ولا بالمليارات”.

صفقة رابحة للطرفين

من الجانب المصري، يرى اللواء سمير فرج، الخبير العسكري، أن الصفقة “رابحة للطرفين”. وأوضح لـ«رفيق إنفو» أن إسرائيل لديها فائض غاز (بنسبة 60% تقريباً) من حقول ليفياثان وتمار، لكنها تفتقر إلى محطات التسييل، بينما تمتلك مصر هذه المحطات في دمياط والغردقة.

وأكد فرج أن مصر تحتاج إلى الغاز الإسرائيلي لأنه “أرخص في السعر مما لو تم استيراده من الخارج”، مشيراً إلى أن 40% من أسهم الشركة المتعاقدة (شيفرون) مملوكة للولايات المتحدة، مما يعني وجود “ضغوط سياسية أمريكية على إسرائيل لإتمام الصفقة”.

وحول تأثيرها على العلاقات، رأى فرج أن “المصالح الاقتصادية تتحكم في معظم القرارات السياسية”، وأن هذا التعاون “سوف يحد من التوتر بين البلدين لأن كلا الطرفين يريد الحفاظ على صفقته الاقتصادية”.

مصر واستراتيجية البدائل

ألمح اللواء سمير فرج إلى أن مصر كانت تستعد لرفض محتمل للصفقة، ولديها “استراتيجية بدائل” تشمل استيراد الغاز من روسيا أو الجزائر أو قطر، مستفيدةً من محطتي التسييل القائمتين.

شكوك حول دوافع الصفقة

من ناحية أخرى، يرى الكاتب والمتخصص في الشؤون السياسية، محمد سعد عبد الحفيظ، أن الصفقة “تهدف إلى تحقيق عوائد شخصية للرئيس ترامب وعائلته”، نظراً لامتلاك شركة شيفرون (التي يملكها ترامب حصة كبيرة فيها) 40% من حقل ليفياثان.

ولفت عبد الحفيظ إلى أن الصفقة تخدم أيضاً “الجهود الأمريكية لتلميع صورة إسرائيل وإخراجها من عزلتها الدولية ودمجها في الإقليم”، معرباً عن قلقه من أن تهدف الصفقة إلى “تكبيل يد مصر عن التعاطي مع القضية الفلسطينية”.

مكاسب ومخاطر

من المنظور الاقتصادي، يرى الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح أن مصر تواجه “معادلة صعبة” بين سعيها لترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للطاقة وحاجتها لسد فجوة الإنتاج المحلي.

وأوضح أبو الفتوح لـ«رفيق إنفو» أن الصفقة (بقيمة 35 مليار دولار لمدة حتى 2040) تمنح مصر فرصة لتقليل الاعتماد على الغاز المسال المستورد الباهظ، مما “يوفر مليارات الدولارات سنويًا على الموازنة”.

المخاطر والتحديات

لكن أبو الفتوح حذر من مخاطر عدة:

  1. بنود “الدفع حتى بدون الاستلام” (Take or Pay) التي تلزم مصر بدفع ثمن كميات محددة سنوياً حتى مع انخفاض الطلب، مما يشكل “التزاماً مالياً صلباً”.
  2. الاعتماد المتزايد على مصدر طاقة واحد يعرض الأمن الطاقي لـ”ضغوط سياسية”، خاصة مع إلغاء بند كان يسمح لمصر بتقليل الكميات عند انخفاض أسعار النفط تحت 50 دولاراً.
  3. التحديات التنافسية العالمية، مع توقع زيادة المعروض من الغاز المسال عالمياً بنحو 40 مليار متر مكعب، مما يضغط على الأسعار.

التداعيات الجيوسياسية والتوصيات

أشار أبو الفتوح إلى أن الصفقة ترتبط أيضاً بـ”الضغوط الأمريكية لتعزيز الوساطة في غزة”، محذراً من أن أي توترات إقليمية قد تؤثر على تدفقات الغاز عبر خط العريش–عسقلان.

وأوصى الخبير الاقتصادي بأن لا تقتصر الاستفادة على ترشيد الاستهلاك، بل يجب:

· الإسراع في تطوير الاكتشافات المحلية للغاز.
· توسيع مصادر الطاقة المتجددة (الشمسية والرياح).
· تعزيز الربط الكهربائي والغازي مع دول الجوار.
· تشجيع القطاع الخاص على مشاريع مشتركة للإسالة والتصدير.

تمثل صفقة الغاز خطوة استراتيجية معقدة للمصالح المصرية. فهي توفر مكاسب اقتصادية فورية وتدعم أمن الطاقة، ولكنها تفرض في المقابل التزامات مالية وسياسية طويلة الأجل وتعزز الاعتماد على طرف له أجندته الخاصة. نجاح الصفقة وتحويلها من حل مؤقت إلى رافعة تنموية حقيقية سيعتمد على حكمة الإدارة المصرية في موازنة هذه المنافع مع المخاطر، وتسريع الخطى نحو تعزيز الاستقلال الطاقي على المدى البعيد.

رفيق انفو
رفيق إنفو هو موقع إخباري مستقل مرخص من قبل السلطة العليا للإعلام السمعي البصري في تشاد (HAMA)، باعتباره صحيفة إلكترونية مسجلة تحت الرقم 0324
error: نسخ المحتوى ممنوع