أنجمينا- رفيق إنفو ( خاص)
بعد استجواب وزير استصلاح الأراضي والتمدن والإسكان، محمد السليك حلاتة، أمام مجلس الشيوخ التشادي يوم 24 يونيو 2026، عاد ملف السد الواقي في واليا إلى صدارة النقاش العام.
يُعد هذا المشروع، الذي يفترض أن يحمي أجزاء واسعة من الدائرة التاسعة بالعاصمة انجمينا من فيضانات نهري شاري ولوغون، نموذجاً للتحديات التي تواجه تشاد في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى، حيث تتصادم الحاجة إلى الحماية من تغير المناخ مع صعوبات التمويل والتنفيذ والرقابة.
فيضانات 2022 وولادة البرنامج الوطني
شكلت فيضانات 2022 نقطة تحول في السياسات العامة للتكيف المناخي في تشاد، إذ غمرت المياه أحياء بأكملها في جنوب غرب العاصمة، وانهارت منازل، واضطر السكان إلى بناء سواتر ترابية مؤقتة من أكياس الرمل، فيما تأثرت مئات الآلاف من الأشخاص.
أطلقت السلطات برنامجاً وطنياً لمكافحة الفيضانات بميزانية إجمالية تبلغ 150 مليار فرنك أفريقي (نحو 230 مليون يورو)، يشمل سدود واليا-توكرا ونغيلي-ندو، وأعمال صرف بطول 4 كيلومترات في الدائرتين السابعة والثامنة، وتعزيز الضفاف، وتحديث محطات الضخ، وإعادة بناء المخارج، وأعمال التجريف. وأُعلن لاحقاً عن تخصيص 30 مليون دولار إضافية للصرف المطري.

المشروع والمواصفات الفنية
يقع السد في الدائرة التاسعة بأحياء واليا، توكرا، ديغانغالي، نغومنا وما جاورها، على طول الضفاف الجنوبية للنهرين، وهو سد وقائي يهدف إلى منع الفيضانات. يبلغ طوله المعلن بين 30 و32 كيلومتراً، مع إضافات فرعية نحو 15 كيلومتراً من قبل الشركة المنفذة، وارتفاعه حوالي 8 أمتار، وعرض قمته نحو 3 أمتار، مع ميول محمية في بعض الأجزاء بألواح خرسانية أو هياكل معززة. تتحدث بعض المصادر عن بناء من الخرسانة المسلحة، بينما تشير أخرى إلى تربة أو طين مضغوط مستورد، محمي جزئياً. وتُقدَّر مدة الحياة الافتراضية التي أعلنتها الوزارة بـ50 عاماً.
أُسند التنفيذ إلى شركة أنطا غروب الصينية، ووضع الحجر الأساس بين مايو ويوليو 2023.
22 مليار فرنك.. وتوقف الأشغال
بلغت قيمة العقد 22 مليار فرنك أفريقي (حوالي 33.5 مليون يورو)، ويُوصف هذا المبلغ في النقاش العام بأنه “ضخم” بالنظر إلى مستوى التقدم والنتائج المرئية على الأرض.
وفق تصريحات الوزير أمام مجلس الشيوخ، لم يُنفق سوى ما بين 11 و12 مليار فرنك، في حين حصلت الشركة في مرحلة سابقة على نحو 60% من قيمة العقد (حوالي 13.2 مليار فرنك)، وأدى تأخر الدفعات إلى توقف الأعمال وتجميد الآليات بسبب نقص الوقود. رفض الوزير اتهامات الاختلاس.
يذكر أن الدفعات تتم على مراحل وفق تقدم الأشغال وبعد الاستلام النهائي، وفق ما أشار إليه مسؤولون حكوميون، بمن فيهم وزير المالية طاهر حامد نغيلين.
حماية جزئية ومشاكل مستمرة
حتى منتصف 2026، لم تكتمل الأعمال بالكامل، وسُجلت تسربات وتدهور بسبب الأمطار وأعمال تخريب من بعض السكان الذين يستخرجون الرمال والتربة لإصلاح منازلهم أو صناعة الطوب التجاري. وفي مايو 2026، أعلنت السلطات عن حالات تخريب وتوعدت بإجراءات عقابية.
موقف الشركة المنفذة
دافعت شركة “أنطا غروب” عن أدائها، مشيرة إلى أنها أنجزت أعمالاً إضافية تتجاوز ما هو منصوص عليه في العقد، بما في ذلك نحو 15 كيلومتراً إضافياً من السدود الفرعية، دون أن تقدم وثائق تثبت ذلك.





تجاوزات في الصفقة
في ديسمبر 2025، كشفت الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد (AILC) برئاسة عثمان عبد الرحمن جوجورو عن مخالفات في المشروع، من بينها تلقي مبالغ زائدة تقدر بنحو 5.6 مليار فرنك، ومخالفات في توقيت منح الصفقة ومدى استيفاء الشركة للشروط، إضافة إلى تباين في الطول الفعلي.
أثارت هذه التقارير انتقادات برلمانية حادة، مع مطالبات بالمحاسبة. فقد قال النائب تاكيلال ندولاسيم مخاطباً الوزير: “لقد أمضت الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد 8 أشهر في وزارتكم، وغيرت فريقها ثلاث مرات. التقرير الذي توصلت إليه مُدان. أقول لكم: إذا لم تنتبهوا، فسوف ينتهي بكم المطاف في السجن. ما يحدث في وزارتكم، حتى لو لم تكن أنتم المسؤول المباشر، لا يمكن السكوت عنه. سد واليا لا يسير على ما يرام”. من جانبه، تساءل السيناتور مبايغولميم سباستيان: “ماذا تفعلون لمعاقبة المتورطين؟ لماذا يستغرق طرد الموظفين الفاسدين في ملفات مشاريع البنية التحتية كل هذا الوقت؟”.
استياء شعبي من المشروع
في الأوساط الشعبية، عبر عدد من المواطنين عن استيائهم مما يرونه على أرض الواقع. فقد قال المواطن ننادوم أبيل متسائلاً عن حجم الإنفاق المعلن: “تكلم الوزير بهدوء، وكأن 12 ملياراً شيء صغير بالنسبة له”. وأضاف ساخراً من جودة التنفيذ: “أكوام الطين التي أراها تكلف 12 مليار فرنك؟”.
كما تساءل المواطن أسوميا فولا أنجي عن جدوى المشروع قائلاً: “ألا يمكن لأموال بناء سد واليا ومبنى وزارة المالية أن تحل مشكلة التشاديين الذين لا تنتظر بطونهم؟” وأضاف: “من العار أن يتصور المسؤولون على هذه الكومة من التراب ويسمونها سداً بعمر 50 سنة وبتكلفة 22 ملياراً”.
من جانبه، شكك محمد حامد عبد الرحمن في قيمة المواد المستخدمة، معتبراً أن “حتى لو صُدِّرت الرمال خارج تشاد، لما بلغت قيمتها ملياري فرنك”.
أما سلطان أحمد، فشبه وضع المشروع بوضع نادي برشلونة في دوري أبطال أوروبا، قائلاً: “كثير من الضجيج على وسائل التواصل، لكن النتيجة في النهاية صفر”.
تظهر هذه التعليقات حالة من الإحباط المتزايد بين سكان المناطق المستهدفة بالمشروع، الذين يرون أن الفجوة بين حجم الإنفاق المعلن والنتائج المرئية على الأرض آخذة في الاتساع. كما تطرح تساؤلات جدية حول تخصيص هذا المبلغ الضخم لمشروع واحد، في وقت تعاني فيه قطاعات حيوية أخرى من نقص حاد في التمويل.
يبقى ملف سد واليا مفتوحاً في انتظار ما ستسفر عنه تحقيقات الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد، وما إذا كانت ستؤدي إلى إجراءات قضائية.
© حقوق النشر محفوظة للمؤلف. يمنع اقتباس أو تعديل محتوى هذا التقرير إلكترونياً أو ورقياً دون إذن خطي مسبق