السبت
-
4 أبريل، 2026
https://rafiqinfos.net

زيارة ديبي لأبوجا.. هل تفتح باباً لتعاون أمني واقتصادي بين تشاد ونيجيريا؟


بقلم/ اسماعيل محمد طاهر ، أكاديمي وباحث في الشأن الإفريقي
في الثاني من أبريل الجاري، وصل الرئيس التشادي، محمد إدريس ديبي، إلى العاصمة النيجيرية أبوجا بدعوة من نظيره بولا أحمد تينوبو، في زيارة رسمية تحمل معها أبعادًا تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي المعتاد. ففي منطقة حوض بحيرة تشاد، حيث تتقاطع حدود أربع دول، ما زالت جماعات مسلحة مثل بوكو حرام وجماعات متفرعة منها تشكل تهديدًا أمنيًا طويل الأمد، وصارت قضية الأمن وأثرها على الاقتصاد مسألة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
واقع مأساوي: أرقام عن العنف والتهجير:
منذ أن انطلقت حركة بوكو حرام في أوائل القرن الحادي والعشرين في شمال شرق نيجيريا، توسعت عملياتها إلى دول الجوار، بما فيها تشاد والكاميرون والنيجر، مما أوقع آلاف القتلى والملايين من المهجرين. وتفيد الكثير من التقارير الإقليمية والدولية بأن الهجمات أدت إلى سقوط أكثر من 20,000 قتيل في حوض بحيرة تشاد خلال سنوات النزاع، بينما يعاني أكثر من 20 مليون شخص في المنطقة من تبعات العنف والخوف وانعدام الخدمات الأساسية بسبب رفض الجماعات المتشددة الاستسلام لضوابط الأمن والاستقرار.
وفق أرقام سابقة، أسفرت هجمات بوكو حرام وجماعاتها المتفرعة عن تهجير أكثر من 3.3 مليون شخص من أربعة دول أفريقية مجتمعة: تشاد، والكاميرون، والنيجر، ونيجيريا، خلال فترة قصيرة، مما يدل على الاثر الاجتماعي العميق لإرهاب الجماعة على المجتمعات الريفية المحيطة بالبحيرة.
ولا يتوقف العنف عند حدود المدنيين وحدهم؛ بل تجاوز ذلك إلى الاصطدامات المسلحة بين الجماعات المتشددة نفسها، ففي اشتباكات بين بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا في منطقة دوغون تشيكو بحوض بحيرة تشاد، قُتل ما يقارب 150 إلى 200 من عناصر الجماعات المتشددة في معارك عنيفة، وهو مؤشر على شدة الصراع داخل نسيج الجماعات المسلحة وتأثير ذلك على الأمن الإقليمي.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات عابرة، بل تمثل واقعا إنسانيًا وأمنيًا هشا يدفع باتفاقيات التعاون إلى مركز الاهتمام الاستراتيجي بين الدول المتضررة.
الأمن المشترك: من التنسيق إلى الاستراتيجية:
يشكل التعاون بين تشاد ونيجيريا جزءا مهما من رد الفعل الإقليمي. وقد أظهرت السنوات الماضية أن عمليات قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات كانت من الأطر الفاعلة لمواجهة التحديات العابرة للحدود حتى وان كان عملها لم يصل الى مستوى إرضاء جميعالأطراف في كثير من الأحيان، خصوصًا أن الجماعة نفسها تجاوزت حدودها الأصلية في نيجيريا ودخلت أراضي الدول المجاورة.
في ظل التهديدات الحالية، تصبح مسائل مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوحيد الجهود البرية والجوية، وتحديد أهداف مشتركة أكثر تأثيرًا من أي تعاون أحادي الجانب. ويصبح السؤال ليس ما إذا كان البلدان سيتعاونان، بل كيف يمكن أن يقوما بذلك بفعالية واحترافية؟ وكيف يمكن أن تكون الزيارة الأخيرة فرصة لإعادة تنسيق الاستراتيجية بحيث لا يقتصر العمل المشترك على العمليات العسكرية فحسب، بل يشمل إجراءات وقائية، وحماية المدنيين، وتأمين الطرق التجارية الحيوية؟

الاقتصاد والأمن: علاقة طردية محتملة:
على الجانب الاقتصادي، ترتبط فرص التنمية بمدى الاستقرار الأمني. نيجيريا، باعتبارها بوابة رئيسية للواردات والسلع إلى تشاد ودول الجوار، يمثل تحسين العلاقات الاقتصادية معها أهمية استراتيجية لتشاد.
إذا نجح البلدان في تعزيز الأمن عند الحدود، فإن ذلك يمكن أن يعزز التجارة ويخفف من تكاليف النقل والتأخير الجمركي، ويدفع نحو مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة والزراعة. اما في حال استطاع البلدان تهيئة بيئة أكثر أمانًا، فإن تجارة السلع والمواد الأساسية قد تعود إلى مستويات أكثر انتظامًا، مما يسهم في تنشيط الاقتصادات المحلية وخلق فرص عمل، ويحول الحدود من مناطق توتر إلى محاور للتعاون الاقتصادي.
سيناريوهات مستقبلية مدعومة بالواقع
بعيدًا عن السرد النظري وحده، يمكن تصور مستقبل العلاقة بين البلدين على أساس المعطيات الحالية:
اولا: تحسن تدريجي ومستدام: حيث ان التنسيق الأمني المتزايد يقود إلى تراجع هجمات الجماعات المسلحة على طول الحدود، مما يعزز حركة التجارة ويزيد من المشاريع المشتركة في الطاقة والبنية التحتية.
ثانيا: استقرار متذبذب: بالرغم من تحقيق بعض المكاسب الأمنية والاقتصادية، إلا أن وجود بعض الحوادث المتفرقة تستمر في حوض بحيرة تشاد بسبب وجود خلايا نائمة أو تمدد جماعات منشطرة منها، ما يترتب عليه خلق وضع هش يتطلب تنسيقًا أطول وأعمق.

ثالثا: تصاعد العنف وتأثيراته السلبية على الاقتصاد:
ففي حال ضعف التنسيق أو غياب دعم إقليمي أوسع، قد تتجدد الهجمات مع تأثير مباشر على التجارة والطرق الحيوية، مما يعيق النمو الاقتصادي ويؤثر على الأمن الغذائي والخدمات الأساسية.
عليه فإن هذه الزيارة تعتبر فرصة تفرض وضع اليات تصميمًا مشتركة لإدارة الملفات الأمنية والاقتصادية، فزيارة الرئيس ديبي لأبوجا ليست حدثًا عابرًا في السجل الدبلوماسي؛ بل تحمل في طياتها فرصة حقيقية لإعادة ترتيب أولويات التعاون بين تشاد ونيجيريا، لان الأرقام والإحصاءات الخاصة بتأثير العنف ومايترتب عليه من قتلى ومهجرين وانعدام الأمن في حوض بحيرة تشاد، تبين بوضوح أن المسارين الأمني والاقتصادي مرتبطان ارتباطًا وثيقًا.
إذا استطاع البلدان تحويل هذا اللقاء بين الرئيسان إلى خارطة طريق مشتركة، فإنهما لا يعززان أمنهما فحسب، بل يفتحان الباب نحو اندماج اقتصادي أعمق يحقق الاستفادة القصوى من الفرص المشتركة التي طال انتظارها في المنطقة.

رفيق انفو
رفيق إنفو هو موقع إخباري مستقل مرخص من قبل السلطة العليا للإعلام السمعي البصري في تشاد (HAMA)، باعتباره صحيفة إلكترونية مسجلة تحت الرقم 0324
error: نسخ المحتوى ممنوع