الأربعاء
-
4 فبراير، 2026
https://rafiqinfos.net

تشاد 2008 .. الأيام الثلاثة التي كادت تؤدي بنظام إدريس ديبي

انجمينا – رفيق إنفو

في مثل هذا اليوم قبل 18 عاماً، شهدت العاصمة انجمينا واحدة من أخطر المحاولات للإطاحة بالرئيس الراحل إدريس ديبي، عندما اقتحمت قوات متمردة المدينة ووصلت إلى أبواب القصر الرئاسي، استمرت الاشتباكات ثلاثة أيام، انتهت بسيطرة القوات الحكومية على الوضع. جاء هذا الهجوم في سياق توترات داخلية وإقليمية سابقة، وترتبت عليه تداعيات سياسية وأمنية لاحقة.

الخلفية السياسية والمسار إلى المواجهة

تعود جذور الأزمة إلى تغييرات دستورية وسياسية سابقة. في يونيو 2005، أقر البرلمان التشادي تعديلاً دستورياً ألغى الحد الرئاسي لولايتين، مما مهد الطريق للرئيس ديبي، الذي حكم منذ 1990، للترشح لولاية ثالثة في انتخابات 2006. قوبل هذا القرار بمعارضة داخلية قوية واعتبره خصومه انقلاباً على الدستور. أدى ذلك إلى تصاعد حاد في التوترات، وتصعيد نشاط الجماعات المتمردة المسلحة في شمال البلاد.

شهد أبريل 2006 محاولة سابقة للجماعات المتمردة، المتحالفة آنذاك تحت اسم “الجبهة المتحدة من أجل الديمقراطية والتغيير”، السيطرة على العاصمة ، ولكنها فشلت. في أكتوبر 2007، جرت مفاوضات سلام في طرابلس بوساطة ليبية بين الحكومة والجماعات المتمردة الرئيسية، إلا أنها انهارت في نوفمبر من العام نفسه، مما أغلق الباب أمام الحل السياسي وفتح الطريق لاستئناف المواجهة العسكرية.

الهجوم وسير المعركة

في فجر 2 فبراير 2008، عبر تحالف من عدة فصائل متمردة أبرزها “اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية” (UFDD) بقيادة محمد نوري، و”تجمع القوى الديمقراطية” (RFC) بقيادة تيمان إرديمي، و”اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية – الأساسي” (UFDD-F) بقيادة عبد الواحد عبود مكاي – الحدود الشرقية مع السودان وتقدمت القوات نحو الداخل بعربات مسلحة ووصلت إلى أطراف العاصمة انجمينا في اليوم نفسه، حيث سيطرت على أجزاء من أحيائها الجنوبية الغربية.

استخدم الجيش في الرد دبابات ومروحيات هجومية. وفقاً لتقارير لمنظمات إنسانية ووسائل إعلام دولية وقتها، صاحب الاشتباكات عمليات نهب وفرار مدنيين من مناطق القتال نحو الكاميرون.

أرقام متضاربة

تباينت التقديرات الرسمية والمستقلة لأعداد الضحايا. أصدرت لجنة تحقيق وطنية تشكلت بعد الأحداث تقريراً في أغسطس 2008 أشار إلى مقتل 977 شخصاً وإصابة 1758 آخرين، بالإضافة إلى عشرات الاعتقالات التعسفية. في المقابل، قدّرت منظمات دولية أرقاماً مختلفة:

  • سجل الصليب الأحمر الدولي أكثر من 160 قتيلاً و1000 جريح من المدنيين.
  • قدر برنامج بيانات الصراع في أوبسالا عدد القتلى ب 540 قتيلاً.
  • عالجت منظمة أطباء بلا حدود (MSF) ما لا يقل عن 100 قتيل و700 جريح
  • أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى نزوح ما لا يقل عن 30,000 شخص من العاصمة، وفرار أكثر من 15,000 إلى الكاميرون.

صراع إقليمي متجدد

كانت الأزمة انعكاساً لصراع إقليمي معقد بين تشاد والسودان، اتخذ شكل دعم متبادل للحركات المتمردة. اتهمت الحكومة التشادية السودان علناً بتدبير ودعم الهجوم على انجمينا ، وهو ما نفته الخرطوم باستمرار.

في المقابل، قاتلت “حركة العدالة والمساواة” (JEM)، إحدى الحركات المتمردة الرئيسية في إقليم دارفور السوداني، إلى جانب القوات الحكومية التشادية للدفاع عن العاصمة. وقد ساهمت التحالفات القبلية والعرقية العابرة للحدود في تشكيل هذا الموقف.

استمر التوتر بين تشاد والسودان بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019، وزادت حدته مع اندلاع الحرب الأهلية السودانية في أبريل 2023. أدى هذا النزاع إلى تدفق أكثر من 930 ألف لاجئ سوداني، معظمهم من دارفور، إلى شرق تشاد بنهاية عام 2025، مما وضع ضغطاً على الموارد المحلية وزاد من التوترات الاجتماعية المحتملة في مناطق مثل وداي.

شهدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين تحسناً بعد عام 2019، لكن استمرار الحرب السودانية أعاد إثارة مخاوف من تدخلات عبر الحدود، وسط تبادل اتهامات بدعم فصائل مسلحة. وهو ما يفسر أن الأزمة التي تجلت في أحداث 2008 كانت جزءاً من صراع إقليمي أوسع لم يُحل بشكل كامل.

فرنسا والأمم المتحدة

كان للعامل الدولي حضور واضح خلال الأزمة:

  • كانت لفرنسا قوة عسكرية دائمة في تشاد قوامها حوالي 1,100 جندي ضمن عملية “إيبير”. خلال المعركة، لم تقتصر فرنسا على إجلاء الرعايا الأجانب، بل قدمت دعماً لوجستياً واستخباراتياً حاسماً، وكذلك ذخيرة، للجيش التشادي. ووردت أنباء عن تورط جنود فرنسيين في تبادل لإطلاق النار مع المتمردين.
  • تبنت منظمة الأمم المتحدة في 4 فبراير، ضمن مجلس الأمن الدولي بياناً (بيان الرئاسة S/PRST/2008/3) دعا الدول الأعضاء إلى تقديم الدعم لحكومة تشاد. ومع ذلك، واجه مشروع قرار لاحق في 8 فبراير (S/2008/76) معارضة من روسيا، مما حال دون تبني قرار أكثر حسماً بموجب الفصل السابع من الميثاق يسمح باستخدام “كل الوسائل الضرورية”.

التداعيات المباشرة وطويلة المدى

على الصعيد الداخلي، لم يؤدِّ الهجوم إلى الإطاحة بالرئيس إدريس ديبي، بل عزز موقع المؤسسة العسكرية في المرحلة التي أعقبت الأحداث مباشرة. وترافق ذلك مع زيادة في تدابير تقييد نشاط المعارضة السياسية. تبقى قضية اختفاء القيادي المعارض إبني عمر محمد صالح في 3 فبراير 2008 من أبرز تداعيات تلك الفترة، حيث اعتقل ولم يظهر بعد ذلك. جاء في تقرير اللجنة الوطنية للتحقيق عام 2008 أنه “من المرجح أن يكون ميتاً الآن”، دون تفاصيل إضافية.

لا يزال مصير إبني عمر محمد صالح غير معلن رسمياً حتى الآن. وأصبحت قضيته محط تركيز منظمات حقوق الإنسان الدولية، مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، التي تواصل المطالبة بالتحقيق فيها. كما تم إنشاء جائزة علمية دولية باسمه تُمنح كل عامين في مجال الرياضيات، كانت آخر دورة لها في عام 2024. ومع ذلك، لم تسفر الجهود عن تحديد المسؤولية القانونية عن اختفائه، وهو ما يشير إلى استمرار تحديات محاسبة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات السابقة.

على الصعيد الإقليمي، ساهمت الأزمة في توتر العلاقات الثنائية بين تشاد والسودان لفترة لاحقة، واستمر تبادل الاتهامات بدعم الجماعات المسلحة المعارضة. أثر هذا الوضع على الأمن في المناطق الحدودية المشتركة.

على الصعيد السياسي، استمر حكم إدريس ديبي حتى وفاته في أبريل 2021. أظهرت أحداث 2008 اعتماد النظام على تدابير أمنية وعلى دعم خارجي، فيما استمرت عوامل مثل تهميش شرق البلاد سياسياً واقتصادياً دون معالجة شاملة، وهي عوامل ارتبطت بظهور الحركات المسلحة سابقاً.

إرث أمني وسياسي مستمر

كانت أحداث فبراير 2008 مؤشراً على ضعف نظام إدريس ديبي، والذي اعتمد بشكل أساسي على الأمن والحماية الخارجية من فرنسا. استمرت هذه المؤشرات بعد وفاة ديبي في أبريل 2021، حيث تولى نجله محمد إدريس ديبي السلطة عبر مجلس عسكري انتقالي قبل أن يفوز في انتخابات 2024. شهدت هذه الانتخابات انتقادات من جهات معارضة ومنظمات دولية شككت في نزاهتها وشموليتها.

في أكتوبر 2025، مررت الجمعية الوطنية ( البرلمان ) تعديلاً دستورياً ألغى الحد الأقصى للولايات الرئاسية ومدد مدة الولاية إلى سبع سنوات. تلقى هذا القرار انتقادات واسعة وُصفت بأنه تغيير لقواعد الحكم قد يعيد إنتاج عوامل الاضطراب السابقة. وتواجه البلاد تحديات تتعلق بتضمين المعارضة السياسية وتحقيق تنمية عادلة، في وقت تشهد فيه منطقة الساحل تصاعداً في التوترات الأمنية.

رفيق انفو
رفيق إنفو هو موقع إخباري مستقل مرخص من قبل السلطة العليا للإعلام السمعي البصري في تشاد (HAMA)، باعتباره صحيفة إلكترونية مسجلة تحت الرقم 0324
error: نسخ المحتوى ممنوع