الخميس
-
16 يوليو، 2026
https://rafiqinfos.net

تشاد.. هل تحول التعداد السكاني إلى ساحة للتنافس السياسي والمالي؟

انجمينا ـ رفيق إنفو

يثير التعداد العام الثالث للسكان والمساكن في تشاد جدلاً واسعاً حول آليات تمويل الأنشطة المرافقة له، بعد ظهور مساهمات مالية ولوجستية من أحزاب سياسية وشخصيات عامة ومواطنين. هذه التبرعات جعلت البعض يشك في أن العملية ليست مجرد إحصاء وطني، بل تحولت إلى ساحة للتنافس السياسي والمالي، في وقت خصصت فيه الدولة ميزانية رسمية لهذه العملية.

ما خصصته الدولة للتعداد السكاني

بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن مكتب تنسيق التعداد الثالث (BCTR)، خصصت الحكومة 291 مليون فرنك إفريقي للأنشطة التوعوية، و639 مليوناً كرواتب للجان المحلية، و292 مليوناً للنقل، و85 مليوناً لشحن أجهزة العدّادين، إضافة إلى اقتناء 114 جهاز “ستارلينك” لتوفير الاتصال بالإنترنت.

التبرعات.. ماذا يحدث على الأرض؟

غير أن هذه الميزانيات لم تمنع الأحزاب والمسؤولين من التبرع بمبالغ ضخمة. ففي إقليم إنيدي الشرقية، سُجلت تبرعات بقيمة 10 ملايين فرنك، إضافة إلى توفير 10 أجهزة ستارلينك و30 بنك طاقة و50 برميل وقود واستئجار 24 سيارة.

وفي إقليم البحيرة، تجاوزت التبرعات 22 مليون فرنك، مع توفير خمس سيارات ومحروقات من قبل المجلس الإقليمي، إضافة إلى مساهمات من البلديات وفعاليات اقتصادية ونسائية. وفي إقليم شاري الأوسط، أُطلقت حملة تبرعات طوعية، وتتوالى في مناطق أخرى إعلانات عن تبرعات مماثلة.

أسئلة مشروعة

هذه الممارسات تطرح أسئلة جوهرية: هل الميزانية الحكومية غير كافية؟ ولماذا تعتمد السلطات على تبرعات الأحزاب والمسؤولين لتمويل عملية إحصائية وطنية؟ وإذا كانت تقديرات المسؤولين خاطئة، فلماذا لا تُعدّل الميزانية رسمياً بدلاً من ترك الأحزاب السياسية تتصدر مشهد التوعية حول عملية وطنية محايدة؟

هذا السؤال ليس من نسج الخيال، بل عبر عنه رئيس الوزراء نفسه مؤخراً عندما ذكّر بأن “التعداد عملية إدارية وإحصائية، وليست نشاطاً سياسياً”، في إشارة واضحة إلى مخاطر تسييس العملية.

لماذا تتبرع الأحزاب؟

السبب قد يبدو بسيطاً، لكنه يحمل أبعاداً سياسية عميقة. فالحزب الحاكم، مثل أي حزب سياسي، يريد معرفة خريطته الانتخابية المستقبلية. ومعرفة الكثافة السكانية في مناطق نفوذه تمنحه القدرة على التخطيط للاستحقاقات المقبلة. وهنا تكمن العلة: تحويل التعداد إلى أداة لتعزيز النفوذ السياسي، وهو ما يفتح الباب أمام تسييس العملية ويغذي الشكوك حول نزاهتها.

ماذا عن الشخصيات العامة؟

الشخصيات العامة التي تظهر في وسائل التواصل وكأنها تخوض حملة انتخابية، لها أيضاً أسبابها. فالتعداد يمنحها فرصة لإظهار قدرتها على التعبئة، وجمع التبرعات، وحل مشكلات لوجستية عجزت عنها الدولة. في النظام السياسي التشادي، قد تتحول هذه المظاهر إلى أوراق ضغط مستقبلاً، سواء للحصول على منصب، أو صفقة، أو حتى درجة. وهكذا، تصبح التبرعات استثماراً سياسياً طويل الأجل.

وماذا بعد التعداد؟

هذا السؤال يظل مفتوحاً: ما مصير هذه التبرعات بعد انتهاء العملية؟ هل هناك سجل وطني للهبات؟ هل سيتم جرد المعدات؟ وإذا كان هناك عجز فعلي في الميزانية، فلماذا لا تعترف به الحكومة صراحة وتطلب الدعم بشفافية، بدلاً من ترك الفوضى تحكم المشهد؟

تحديات الميدان والواقع المعقد

إضافة إلى ذلك، هناك تحديات ميدانية حقيقية: بدأت العملية متأخرة أسبوعاً كاملاً بسبب احتجاجات العمال، واضطر المكتب إلى تمديد فترة التعداد حتى 21 يوليو. كما أن الاستبيان الطويل والمعقد قد لا يتناسب مع واقع بعض الأسر التشادية، التي قد لا تجيب بصدق على أسئلة حساسة حول مستوى المعيشة بسبب الخجل أو الخوف. وفي ظل موسم الأمطار والفيضانات، يصبح الوصول إلى القرى النائية شبه مستحيل، مما يزيد من صعوبة المهمة.

تحويل التعداد إلى أداة سياسية

الخطر الحقيقي ليس في التبرعات نفسها، إنما في الرسائل التي ترسلها. ففي بلد مثل تشاد، حيث تنتشر الشكوك حول نزاهة المؤسسات، قد يؤدي ظهور الحزب الحاكم كمنقذ للعملية إلى تآكل الثقة في نتائجها. وعندما تُعلن النتائج النهائية، قد تُقرأ من خلال عدسة سياسية، وتُفسر الاتجاهات الديموغرافية على أنها مؤامرات انتخابية، خاصة إذا شهدت مناطق معينة زيادة غير متوقعة في عدد السكان.

مسؤولية الدولة

إذا كان التعداد الوطني عملية سيادية بامتياز، فيجب أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية والمالية. الدولة وحدها يجب أن تتحمل مسؤولية تمويلها وتنفيذها، ليس فقط لضمان نزاهة النتائج، بل لحماية العملية من أي شبهات قد تلحق بها. فالتعداد الوطني ليس مجرد أرقام، بل هو أساس توزيع الثروة والسلطة في المستقبل، ومن هنا تأتي أهمية أن يبقى بعيداً عن أيديولوجيا الأحزاب ومصالح الشخصيات.

في المحصلة، يبدو أن التعداد السكاني في تشاد لم يعد مجرد عملية إحصائية، بل تحول إلى ساحة للتنافس السياسي والمالي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على نزاهة العملية ومصداقية نتائجها. يبقى الأمل في أن تدرك السلطات التشادية خطورة تحويل التعداد إلى أداة سياسية، وتعمل على استعادة ثقة المواطنين من خلال ضمان الشفافية والحياد، وإعادة النظر في آليات التمويل والتنفيذ، ليبقى التعداد الوطني عملية سيادية بامتياز.

المصدر: رفيق أناليتكس

رفيق انفو
رفيق إنفو هو موقع إخباري مستقل مرخص من قبل السلطة العليا للإعلام السمعي البصري في تشاد (HAMA)، باعتباره صحيفة إلكترونية مسجلة تحت الرقم 0324
error: نسخ المحتوى ممنوع