الثلاثاء
-
25 أغسطس، 2026
https://rafiqinfos.net

بين السيادة المعلنة والضغوط الأمريكية .. ما نعرفه وما لا نعرفه عن انسحاب دول الساحل من الجنائية الدولية

انجمينا- رفيق إنفو ( خاص)

أعلنت تشاد رسميًا نيتها الانسحاب من نظام روما، لتنضم بذلك إلى الحركة التي أطلقتها دول تحالف دول الساحل. ويأتي هذا القرار في إطار تحدٍّ أوسع للمحكمة الجنائية الدولية، ويكشف، مرة أخرى، عن الانقسامات العميقة داخل منظومة العدالة الدولية.

بررت الحكومة التشادية قرارها بالإشارة إلى “محدودية فعالية المحكمة وتفاوتها”، مُشيرةً إلى تركيز تحقيقاتها بشكل مُفرط على القارة الأفريقية. ووفقًا لبيان صادر عن وزارة الخارجية، فإن تسعًا من أصل ثلاث عشرة قضية تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية تتعلق بدول أفريقية، وستة من أصل سبعة أشخاص محتجزين حاليًا مرتبطون بالشؤون الأفريقية. لكن ثمة تفصيلًا واحدًا لفت الانتباه: هذا القرار جاء استجابةً لطلب صريح من واشنطن. أفادت الخارجية التشادية قبل ثلاثة أيام أن وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية فرانك دبليو دعا انجمينا، خلال مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية عبدالله صابر فضل، إلى “إعادة النظر في التزامها بنظام روما”.

قبل ذلك ببضعة أشهر، في سبتمبر2025، أعلنت بوركينا فاسو ومالي والنيجر انسحابها المشترك من المحكمة الجنائية الدولية، واصفةً إياها بأنها “أداة قمع استعماري جديد”. وقُدّمت الإخطارات الرسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة في يونيو 2026. ووفقاً للمادة 127 من نظام روما، لن يدخل هذا الانسحاب حيز التنفيذ إلا بعد عام، في منتصف عام 2027. وحتى ذلك الحين، تظل الدول الثلاث أطرافاً كاملة في المعاهدة وملتزمة بتعهداتها بالتعاون.

حجة قديمة ومصالح جديدة

انتقاد “انتقائية” المحكمة الجنائية الدولية تجاه أفريقيا ليس بالأمر الجديد. فمنذ إنشائها، ركزت المحكمة جزءاً كبيراً من تحقيقاتها على القارة، غالباً بناءً على إحالات طوعية من الدول نفسها أو من مجلس الأمن. أدى هذا الواقع إلى تأجيج خطاب انعدام الثقة داخل الاتحاد الأفريقي وفي العديد من العواصم لأكثر من عقد. مع ذلك، فإن الانسحابات الحالية ليست مجرد رد فعل على مزاعم التحيز العنصري.

بالنسبة للمجالس العسكرية في منطقة الساحل، فإن الأمر ذو شقين. فمن جهة، تسعى هذه المجالس إلى تأكيد سيادتها التي استعادتها بعد قطع العلاقات مع فرنسا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، والتقارب مع موسكو. ومن جهة أخرى، ترغب في حماية نفسها من التحقيقات المحتملة في الانتهاكات المنسوبة إلى قواتها الأمنية في سياق مكافحة الإرهاب. أما تشاد، فتعمل في سياق يتسم باتهامات بالتورط في النزاع السوداني المجاور.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تقود الولايات المتحدة، التي لم تصادق قط على نظام روما الأساسي، حملة دبلوماسية مفتوحة ضد المحكمة. ترحب واشنطن بانسحابات دول الساحل، وتزيد الضغط لإقناع الشركاء الآخرين بإعادة النظر في التزاماتهم. والهدف ليس الدفاع عن الضحايا الأفارقة، بل حماية المواطنين والمصالح الأمريكية من أي اختصاص قضائي من لاهاي.

ماذا سيبقى بعد عام 2027؟

الانسحاب لا يمحو الماضي. فالتحقيقات والإجراءات التي بدأت قبل تاريخ الانسحاب مستمرة. وتظل الدول ملزمة بالتعاون في هذه القضايا. مع ذلك، بالنسبة للجرائم المرتكبة بعد تاريخ الانسحاب، ستفقد المحكمة الجنائية الدولية اختصاصها التلقائي. ولن يُعاد فتح القضية إلا بإحالة من مجلس الأمن أو بقبول استثنائي للاختصاص.

بالنسبة لضحايا العنف في منطقة الساحل، فإن الوضع يزداد سوءًا. فالآليات “الداخلية” التي وعدت بها السلطات العسكرية لا تزال، في الوقت الراهن، مجرد تصريحات. أما بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية، التي أضعفتها العقوبات الأمريكية وانسحاب عدة دول، فإن شرعيتها تتآكل أكثر فأكثر في القارة التي كانت من أبرز داعميها في بداياتها.

بين تأكيدات السيادة والحسابات الجيوسياسية، يطرح الانسحاب الأفريقي من لاهاي تساؤلاً: هل يمكن للعدالة الدولية أن تصمد عندما تتفق الدول الأقوى وبعض الأنظمة المتنازع عليها لإضعافها؟ لقد قدم الساحل إجابته.

المصدر: رفيق أناليتكس ( وحدة بحثية تابعة لرفيق إنفو)

رفيق انفو
رفيق إنفو هو موقع إخباري مستقل مرخص من قبل السلطة العليا للإعلام السمعي البصري في تشاد (HAMA)، باعتباره صحيفة إلكترونية مسجلة تحت الرقم 0324
error: نسخ المحتوى ممنوع