بقلم: إسماعيل محمد طاهر- كاتب وباحث
خلال الأيام الأخيرة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي منشورات تزعم أن حكومة النيجر قررت سحب الجنسية من القبائل العربية وإجلاءها من البلاد. ونظرًا لحساسية هذا الموضوع، كان من الضروري العودة إلى المصادر الرسمية والتقارير الموثوقة قبل تبني هذه الروايات أو إعادة نشرها.
حتى تاريخ هذه السطور، لا يوجد أي بيان رسمي أو مرسوم حكومي صادر عن سلطات النيجر يعلن سحب الجنسية من القبائل العربية أو ترحيلها بشكل جماعي. صحيح أن النيجر اعتمدت في عام 2024 إطارًا قانونيًا يجيز إسقاط الجنسية في حالات محددة تتعلق بالإرهاب أو الجرائم التي تمس أمن الدولة، كما صدرت خلال عامي 2025 و2026 قرارات بإسقاط الجنسية عن أفراد محددين لأسباب أمنية، إلا أن هذه الإجراءات لم تستهدف القبائل العربية بوصفها مكونًا عرقيًا أو اجتماعيًا.
أما في عام 2006، فقد أعلنت الحكومة النيجرية نيتها ترحيل مجموعات من عرب المحاميد في منطقة ديفا، لكنها سرعان ما علّقت القرار وتراجعت عنه بعد ضغوط داخلية وإقليمية، ولم يتحول ذلك إلى سياسة دائمة للدولة.
العرب جزء أصيل من المجتمع النيجري، وليسوا مكونًا طارئًا على البلاد، بل لهم وجود تاريخي ممتد منذ قرون في مناطق مختلفة، خاصة في الشرق والجنوب الشرقي. كما أن العرب في النيجر ليسوا جميعًا من أصول تشادية أو ليبية فقط، بل هم خليط من قبائل استقرت تاريخيًا داخل النيجر، وأخرى تمتد عبر الحدود مع ليبيا وتشاد نتيجة لحركة التجارة والرعي والهجرات القديمة عبر الصحراء. ومن بين القبائل العربية المعروفة ذات الامتدادات الإقليمية المحاميد وأولاد سليمان، إلى جانب مجموعات عربية أخرى ارتبط وجودها التاريخي بفضاء الساحل والصحراء، الأمر الذي يجعل اختزال جميع عرب النيجر في أصل واحد أو جنسية واحدة أمرًا غير دقيق من الناحية التاريخية.
كما أن المواطنين العرب في النيجر شاركوا، شأنهم شأن بقية مكونات الشعب النيجري، في بناء الدولة، وتولوا مناصب في الإدارة الحكومية والبرلمان والقوات المسلحة والشرطة والإدارة المحلية، وأسهموا في الحياة الاقتصادية والعلمية والثقافية، ولا توجد أي مؤشرات رسمية على وجود سياسة تستهدفهم بسبب انتمائهم العرقي.
وتداولت بعض الصفحات خلال الأيام الماضية أخبارًا عن مصادرة إبل تعود لمواطنين عرب في بعض المناطق الحدودية. وحتى إذا ثبتت صحة بعض هذه الوقائع، فإنها لا تشكل دليلًا على وجود قرار رسمي يقضي بإسقاط الجنسية أو ترحيل جميع العرب من النيجر. فمن الضروري التمييز بين حوادث أمنية أو إدارية محدودة قد تقع في مناطق معينة، وبين وجود سياسة رسمية تستهدف مكونًا اجتماعيًا بأكمله، إذ لا يمكن بناء أحكام عامة على معلومات غير موثقة أو منشورات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولا يمكن تجاهل أن منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد والسودان تعيش منذ سنوات تصاعدًا في الخطابات ذات الطابع العرقي والإثني، وهو ما يجعل بعض الشائعات أكثر قابلية للانتشار والتأثير. ومن المعروف أن قوات الدعم السريع تضم في صفوفها نسبة كبيرة من أبناء القبائل العربية في دارفور ومناطق أخرى، وهو ما جعل بعض الخطابات المناهضة لها تتجاوز نقد ممارسات هذه القوات أو قياداتها إلى خطاب يستهدف العرب في السودان ككل، عبر ربط الهوية العربية بأفعال جماعة مسلحة أو بمرحلة سياسية معينة. غير أن هذا النوع من الخطاب يُعد تعميمًا غير منطقي من الناحية التاريخية والاجتماعية، لأن العرب في السودان ليسوا جماعة طارئة أو وافدة حديثًا، بل هم مكون أصيل من مكونات الشعب السوداني، ولهم وجود تاريخي ممتد في شمال ووسط وشرق السودان، وقد شاركوا عبر القرون في تشكيل المجتمع السوداني وبناء مؤسسات الدولة.
إن نقد أي جماعة مسلحة أو محاسبة الأفراد والقيادات على الجرائم والانتهاكات هو أمر مختلف تمامًا عن تحميل مكون عرقي أو قبلي كامل مسؤولية تصرفات أفراد أو تنظيمات. فالمسؤولية القانونية والأخلاقية يجب أن تبقى مرتبطة بالفعل والفاعل، وليس بالهوية العرقية. كما أن اختزال الصراع السوداني في مواجهة بين “عرب” و”أفارقة” لا يعكس حقيقة المجتمع السوداني المعقد، الذي يتميز بتداخل تاريخي بين المكونات العربية والإفريقية والقبلية والثقافية، وبوجود روابط اجتماعية ومصاهرات وتاريخ مشترك بين مختلف مكوناته.
وبالمثل، فإن التعامل مع قضايا الأزواد والطوارق أو المكونات العربية في منطقة الساحل من خلال منظور عرقي شامل يزيد من التعقيدات بدل حلها، لأن المنطقة تاريخيًا قامت على التداخل بين القبائل والمجموعات السكانية وحركة التجارة والرعي والهجرات عبر الحدود. إن مكافحة خطاب الكراهية لا تعني تجاهل الجرائم أو الانتهاكات التي قد ترتكبها جماعات أو أفراد، بل تعني رفض تحميل جماعات سكانية كاملة مسؤولية أفعال لا تمثلها. فالتعميم على أساس العرق أو القبيلة لا يخدم الأمن ولا العدالة، بل يهدد التعايش بين المجتمعات.
حتى تاريخ هذه السطور، لا يوجد دليل رسمي على صدور قرار من حكومة النيجر يقضي بإسقاط الجنسية عن القبائل العربية أو ترحيلها جماعيًا. وقد تواصل فريق “رفيق إنفو” مع الجهات المعنية في نيامي، حيث أفاد مصدر مطلع، طلب عدم الكشف عن هويته، بأنه لا توجد أي تعليمات أو توجيهات حكومية بهذا الشأن، وأن ما يتم تداوله لا يتجاوز كونه شائعات مغرضة تهدف إلى إثارة الفتنة.
وفي القضايا الحساسة كهذه، لا ينبغي أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي هي المصدر الوحيد للمعلومات، لأن الشائعة قد تنتشر خلال دقائق، لكنها قد تُحدث توترًا اجتماعيًا يصعب احتواؤه. التحقق من الخبر مسؤولية، أما الشائعة فقد تبقى آثارها لسنوات، وخصوصًا عندما تمس السلم الاجتماعي ووحدة الشعوب.