السبت
-
14 فبراير، 2026
https://rafiqinfos.net

المغول في تشاد .. حين تُحكم الدولة بعقلية جنكيز خان

بقلم : علي عزالدين، باحث سياسي و مستشار في التنمية الدولية

يقول الكاتب الأمريكي الشهير جورج مارتن: “إن التاريخ مثل العجلة التي تدور، وتُعيد نفسها مراراً وتكراراً، لأن طبيعة البشر لا تتغير بشكل كبير، فما حدث من قبل سيحدُث مرة أُخرى”.

لم يظهر المغول في فراغ تاريخي، حين خرجوا من سهوب آسيا في القرن الثالث عشر، كانت أمامهم دول قائمة، ذات مؤسسات مالية وإدارية وقانونية متقدمة بمعايير عصرها. وكانت دولًا لها نماذج ورؤى وتقاليد حكم راسخة. ومع ذلك، لم يحاول المغول أن يتعلّموا منها، ولا أن يتأسّوا بها، ولا أن يحوّلوا احتكاكهم بها إلى محاولة لبناء فكرة لدولة مغولية تبني حضارة وتترك إرثا يشار اليه في التاريخ.

لم يكن ذلك جهلًا، بل خيارًا

المغول سيطروا وحكموا أجزاء كبيرة من العالم خلال حوالي 160 عامًا وهي عمر امبراطوريتهم، ولكن دون أن يبنوا دولة، لأنهم لم يؤمنوا بها أصلًا. الإمبراطورية كانت فضاء سيطرة لا مشروع حكم، وآلة توسّع لا بنية مؤسسات. الضرائب تُجبى، الأوامر تُنفذ، والعنف يضمن الطاعة. أمّا الدولة، كمفهوم حضاري طويل الأمد، فلم تدخل قاموسهم.

هذا الخيار، مهما كان متخلفا، كان مفهومًا في سياقه التاريخي. لكن الأكثر غرابة، بل والصادم، أن يُعاد إنتاج المنطق ذاته في دولة حديثة في سياق القرن الواحد والعشرين.

في تشاد، لم يكن الغزو هو نقطة البداية كما كان مع المغول، بل انقلاب ادريس ديبي على نظام هبري في العام 1990 ميلادي.حيث كانت هناك دولة قابلة للبناء، ومؤسسات يمكن تطويرها، وفرصة لصياغة عقد اجتماعي جديد. نظام حزب الحركة الوطنية للإنقاذ (MPS) الحاكم. لم يتعامل مع الدولة كمشروع يجب بناؤه، بل كهيكل يجب تطويعه، ثم تفريغه من مضمونه.

حين وصل إدريس ديبي إلى السلطة قال عبارته الشهيرة:
 “لم أجلب لكم الذهب ولا الفضة، ولكنني جلبت لكم الديمقراطية”.

بعد أكثر من ثلاثة عقود في عهد نظام MPS، لم تُبنَ ديمقراطية، ولم تُرسَّخ دولة. بقيت الشعارات، وتآكلت المؤسسات، واتّسع الفراغ،حيث أصبحت تشاد مصنفة ضمن الدول الهشة (Fragile states) كما انها تتذيل قائمة دول العالم في مؤشرات التنمية المستدامة (Sustainable development) وفي المقابل تتصدر المشهد العالمي في الجوع، الفقر، المرض، الحروب وغياب السلام والامن والعدالة.

النظام الزئبقي: سلطة تخاف من الدولة

لا توجد مقارنة تاريخية مباشرة بين الحكم المغولي ونظام MPS الحاكم في تشاد، ولا يمكن اختزال الفارق الزمني والسياقي بينهما. غير أن القراءات التاريخية لنموذج الإمبراطورية المغوليةونظام حكمها من جهة، ونموذج نظام الحكم في تشاد من جهة أخرى، تكشف تشابهًا بنيويًا في منطق السلطة ونظام الحكملا في سياقها التاريخي.

هذا التشابه يمكن فهمه من خلال مفهوم “النظام الزئبقي”
سلطة سائلة، متحركة، لا تسعى إلى الترسّخ المؤسسي، وتتجنب بناء دولة قوية لأنها تراها قيدًا لا ضمانة. سلطة تحكم عبر شبكات الولاء والعنف، لا عبر القانون والمؤسسات.

في هذا الإطار، لا يبدو الحكم المغولي حادثة تاريخية منتهية، ولا يظهر النظام التشادي كاستثناء إفريقي، بل كنموذجين مختلفين زمنيًا لسلطة واحدة في جوهرها: سلطة تخاف من الدولة لأنها تنظم، وتخشى المؤسسات لأنها تراقب وتحاسب.

العنف أولًا… لأن الرؤية غائبة

في النظام الزئبقي، العنف ليس خيارًا استثنائيًا، بل لغة الحكم الأساسية.
عند المغول، كان العنف أداة إدارة ورسالة سياسية. وعند النظام التشادي، أدّى الدور نفسه. حين تغيب الرؤية، وحين لا توجد ايديولوجيا تبرر الحكم، يصبح العنف والإكراه اللغة الوحيدة بين السلطة والشعب.

العنف هنا لا يُستخدم لبناء نظام جديد، بل لمنع أي نظام من التكوّن. إنه عنف وقائي ضد قيام الدولة ذاتها.

الأيديولوجيا الغائبة: نظام حكم بلا “لماذا”

لم يحمل المغول أيديولوجيا سياسية بالمعنى المؤسِّس للدولة، ولم يدّعوا امتلاك مشروع فكري يتجاوز منطق القوة. كانوا واضحين في تصورهم للسلطة حيث اعتمدوا على التوسّع، والسيطرة، والإدارة بعنف و استخدام العصا والجزرة لخلق الولاءات. لم يزعموا أنهم يبنون عقدًا اجتماعيًا، ولا أنهم يؤسسون دولة بمعناها المؤسسي طويل الأمد. فراغهم السياسي لم يكن متخفّيًا خلف خطاب أخلاقي، كان جزءًا من طبيعة حكمهم.

أما نظام MPS الحاكم في تشاد، فقد تبنّى شعارات الدولة الحديثة دون أن يتبنى جوهرها. استخدم لغة الجمهورية والدستور والمؤسسات، لكنه لم يُنتج أيديولوجيا حاكمة تمنح الحكم معنى واتجاهًا. فلا رؤية سياسية متماسكة تحدد طبيعة الدولة، ولا تصور اقتصادي واضح يعكس أولوياتها، ولا مشروع اجتماعي يعيد صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولا منظومة قيم جامعة تؤسس لمواطنة متساوية.

في هذا السياق، يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ “النظام الزئبقي”على انه سلطة تتجنب البناء المؤسسي، وتتحرك في مساحات رمادية بين القانون والولاء. هذا النمط، المستلهم بنيويًا من النموذج المغولي في إدارة السيطرة دون بناء دولة، ينظر إلى الأيديولوجيا باعتبارها خطرًا محتملًا. فالأيديولوجيا بطبيعتها تضع إطارًا مرجعيًا للحكم، وتخلق رؤية سياسية محددة، والرؤية تفرض اتساقًا، والاتساق يستدعي سياسات واضحة ومشاريع وطنية قابلة للقياس والمحاسبة.

ولهذا تُستبدل الرؤية بالفوضى الخلاقة، وتُستبدل القيم بشبكات الولاء، ويُختزل الحكم في إدارة بقاء لا في بناء مستقبل. في ظل هذا المنطق، لا تُبنى هوية وطنية جامعة، بل تُترك لتتآكل تدريجيًا، لأن الهوية تحتاج إلى سردية مشتركة، والسردية تحتاج إلى رؤية، والرؤية تتطلب التزامًا يتجاوز مجرد الاستمرار في السلطة.

غياب الإرث الحضاري .. ما الذي سيبقى؟

الإمبراطورية المغولية، رغم اتساعها، لم تترك إرثًا حضاريًا مؤسسيًا. لم تُخلّف ورائها نموذج حكم، ولا منظومة قيم، ولا تجربة تُستلهم. تركت أثرًا عسكريًا وعنفا دمويا، ثم اختفت غير مأسوف عليها.

الواقع المؤلم أن نظام MPS في تشاد لا يترك وراءه دولة قابلة للتطوير، بل دولة مثقلة بالأعباء، منهكة في بنيتها قبل مواردها. إن نظام الحكم في تشاد، في جوهره، يستعيد منطق النموذج المغولي الزئبقي: سلطة تعلو على الدولة بدل أن تتجسد فيها، تُدير السيطرة لا المؤسسات، وتُراكم النفوذ لا القواعد. في ظل هذا المنطق، لا تُبنى الدولة لتستمر، بل تُدار لتخدم اللحظة.

الإرث المتوقع ليس مؤسسات راسخة يمكن إصلاحها، بل كيانًا هشًا، ضعيف البنية، مُفرغًا من قدرته على إنتاج الحلول داخليًا. سيكون الإرث دولة بلا جهاز إداري كفء، بلا قضاء مستقل، وبلا مؤسسات قادرة على العمل خارج دائرة الولاء السياسي. مجتمع مفكك تغلب عليه الانقسامات الضيقة بدل مفهوم المواطنة الجامعة. واقتصاد لا يستند إلى إنتاج متنوع أو قاعدة صناعية أو زراعية مستدامة، بل يعتمد على المساعدات الخارجية، والقروض، وبرامج الإنقاذ المالي.

ومع تضخم الديون الدولية، لا يعود الحديث عن تنمية ممكنة، بل عن إدارة عجز دائم. الدولة لا تخطط للمستقبل، بل تفاوض على تأجيل الاستحقاقات. القرار الاقتصادي لا يُصاغ وطنيًا، بل يُعاد تشكيله وفق شروط الممولين، فتتآكل القدرة السيادية تدريجيًا، وتتحول السيادة من مفهوم سياسي إلى بند تفاوضي في جداول الديون.

في مثل هذا السياق، يصبح التخلف نتيجة بنيوية لا عرضًا عابرًا. تتآكل الحريات لغياب الضمانات المؤسسية، ينكمش الإبداع لغياب البيئة الداعمة، ويتراجع التماسك الاجتماعي لأن الدولة لم تُبنِ إطارًا جامعًا يحتضن الجميع، بل أُديرت كشبكة ولاءات لا ككيان عام.

هكذا يتحول الحكم الطويل إلى زمن مستهلك لا زمن مُنتج: سنوات عديدة، وديون متراكمة، ومؤسسات أضعف مما كانت عليه. وما يبقى ليس إرثًا وطنيًا يُستند إليه، بل مهمة ثقيلة لإعادة بناء دولة لم يُسمح لها أن تبنى أصلًا.

الفراغ… ومن يفكّ شفرته؟

لم يعد السؤال: متى ينتهي هذا النظام؟
بل، ما حجم الدمار والفراغ الذي سيخلّفه؟

والسؤال الأعمق، الذي يتجاوز تشاد والتجربة المغولية معًا:
ما الخصائص الاجتماعية والثقافية والقيمية المشتركة بين النخبة الحاكمة في تشاد والنموذج المغولي، والتي جعلت كِلا النظامين يتبنى مفهوم النظام الزئبقي؟

هذا السؤال لا يُطرح للتأمل النظري فقط، بل لأنه المفتاح لفهم الفراغ القادم، وكيف يمكن تفكيكه قبل أن يتحول إلى قدر دائم للأمة التشادية.

 

مقالات الرأي المنشورة في “ رفيق إنفو” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد requestrafiq@gmail.com

رفيق انفو
رفيق إنفو هو موقع إخباري مستقل مرخص من قبل السلطة العليا للإعلام السمعي البصري في تشاد (HAMA)، باعتباره صحيفة إلكترونية مسجلة تحت الرقم 0324
error: نسخ المحتوى ممنوع